[email protected] +(00) 123-345-11

الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3)

الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3)

هنا يبدأ تقسيم ثلاثي لفئات الناس حسب مواقفهم من ذلك الكتاب: المؤمنون، والكافرون، والمنافقون، وبينه وبين التقسيم الثلاثي الذي ختمت به سورة الفاتحة تشابه مع مزيد بيان هنا، وقد ذكرنا هناك أن الذين أنعم الله عليهم هم أصحاب الإيمان وأتباع أئمة الهدى، وأن المغضوب عليهم هم الذين كفروا وظلموا واعتدوا، وأن فئة الضالين تشمل المنافقين ذوي الوجهين والتائهين في دروب الأوهام وأتباع الطواغيت، وهذه الفقرات الثلاثة التالية في هذه السورة ستتناول نفس الفئات الثلاثة بالتفصيل.

أما الفئة الأولى، فقد وُصفت في الآية السابقة بالمتقين، وهذه الآية تصفهم بـ (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)، واستخدام الأسماء الموصولة -مثل ”الذين“- في تعريف الفئات القرآنية يقصد إلى العمومية وشمول الزمان والمكان في تصنيف الفئة، إذ ترتفع بها عن تفاصيل التاريخ والجغرافيا إلى صفات أصحابها المجردة، وهو شائع جدًا في كلام الله تعالى في تصنيف الفئات مما ييسر تنزيلها على الواقع الفئاتي في كل زمان ومكان. وقد تفيد دراسة مناسبة نزول الآية تاريخيًا -إن صحّت سندًا ومتنًا- في تصور مثال من الفئات التي يتناولها القرآن بالبيان أو في فهم ملمح من ملامح السيرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، ولكنها لا ينبغي منهجيًا أن تحدّ من قدرة القارئ والسامع على إسقاط الفئات القرآنية على الواقع المتجدد، سواء في التاريخ أو في العصر الراهن.

والإيمان مقصد وقيمة عليا في التصور الإسلامي، والمؤمنون فئة مركزية ومحورية إذ ينقسم الناس أول ما ينقسمون في التصور الإسلامي السليم إلى: مؤمنين وغير مؤمنين، وهو تقسيم له صلة بعدد من السنن الإلهية الحاكمة، منها أن المؤمنين المستجيبين لله هم حجة الله على عباده فيما يختارون بين الإيمان والكفر: (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد – الحجر ١٦)، وسيأتي تاليًا في صفة الكافرين: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء – البقرة ١٣)، ومن سنن الله تعالى أن تشكل فئة المؤمنين جماعة ”الأمة“ التي تشهد على الناس بحجة الإيمان في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس – البقرة ١٤٣)، (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم – الحديد ١٩)، ومن السنن الإلهية ذات العلاقة الوثيقة بالإيمان أن المؤمنين أقلية استثنائية مصطفاة، فيتكرر في القرآن المعنى: (أكثر الناس لا يؤمنون – هود ١٧، الرعد ١، غافر ٥٩)، (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين – يوسف ١٠٣)، وهلم جرًا، بل الواقع السنني داخل فئة الذين ينتسبون للإيمان هو أن أكثرهم مشركون، والعياذ بالله: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون – يوسف ١٠٦)، ولكن رغم أن فئة المؤمنين دائمًا أقلية من أقلية إلا أن من سنن الله تعالى أنه أناط بهم إصلاح الأرض للعالمين ومنع الفساد، وأكبر الفساد هو الكفر بالله وقتل المستضعفين وإخراجهم من ديارهم وإهلاك الحرث والنسل، ولكن قبل أن تُصلح فئة المؤمنين الأرض لابد لها -سننيًا- من بلاء يمحصها ويُصطفي منها بعضها لمقام الشهادة العالي: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين – آل عمران ١٤٠-١٤١)، (الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين – العنكبوت ١-٣)، ومن السنن الإلهية بعد البلاء أن يأتي نصر الله لأهل الإيمان حتى تنصلح بهم الأرض وتظهر فيها عبادة الله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا – النور ٥٥)، ويضرب الله تعالى الأمثال من قصص القرآن لبيان كل تلك السنن مع فئة المؤمنين. وسيأتي في هذه السورة مثال على ذلك في قول طالوت لجنوده عند ابتلاء النهر: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين – البقرة ٢٤٨)، ويتتابع البلاء وتبقي مع طالوت فئة القليل من قليل من المؤمنين ولكنهم أيقنوا أنه: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين – البقرة ٢٤٩)، ثم بعد أن يقص الله تعالى قصة انتصارهم وقيام ملك داود عليه الصلاة والسلام يقول: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين – البقرة ٢٥١)، وسيأتي البيان.

(الذين يؤمنون بالغيب): وقد وصف الله تعالى المؤمنين هنا في هذه الآية بأنهم يؤمنون ”بالغيب“، وهو يقصد -ضمن ما يقصد وحسب ما نستنبط- إلى تصحيح مفهوم الوجود في التصور الإسلامي وتقسيمه إلى ”عالم الغيب“ في مقابل ”عالم الشهادة“، ذلك لأن الإنسان منذ أن كفر في قديم الأزل قسّم الوجود لعالم ”طبيعي“ وعالم ”ما وراء الطبيعة“ -أو ما بعد الطبيعة كما يقولون- ظانًا بغروره أن الوجود هو فقط ما يدركه بحواسه المادية وما عدا ذلك فهو من باب الأساطير والأوهام، ثم صنّف الفلاسفة والعلماء الماديون ما بعد الطبيعة تحت دائرة ”الأديان“. أما في التصور الإسلامي فالكون كله ”طبيعي“ أي مخلوق لله تعالى ومطبوع على فطرة خلقه، سواء ما أدركناه منه بحواسنا فيدخل في عالم الشهادة، أو ما لا ندركه من الكون -وهو الأغلب- فنتواضع ونوقن أنه موجود وطبيعي ولكنه ضمن دائرة الغيب، فنكل علمه إلى الله تعالى، فإذا أخبرنا الله تعالى عن طريق الوحي ببعض ما غاب عنا من خلقه آمنا به غيبًا، سواء شهدناه بعد ذلك بحواسنا أو لم نشهده. والفرق بين مفهومي ”الغيب“ و ”ما وراء الطبيعة“ ليس مصطلحًا إيمانيًا مجردًا ولا سفسطة نظرية، وإنما له أثر مباشر وكبير على منهجية العلوم المختلفة، إنسانية واجتماعية وطبيعية وتطبيقية، فقد اقتصرت الحقائق في فلسفات العلوم في واقعنا المعاصر التي لا تنطلق من منطلق إيماني على ما أثبته المنطق العقلي ويعنون به إما الإثبات الرياضي أو المنطقي أو المنطق التجريبي وهو عندهم ما يدرك بالحواس الخمس، وما وراء ذلك من أفكار فقد اعتبروها أساطير غير علمية لا دليل عليها، وهناك عدة إشكالات علمية نتجت عن هذا المنهج، نذكر منها الإشكاليات الثلاثة التالية:

أولًا، فصل العلوم المعاصرة عن الدين أدى لعدم الاستفادة في مجالات البحث العلمي من كثير من الحقائق الكبرى من إخبار الوحي عن الغيب، خاصة مع عدم تفريقهم بين الوحي من الدين الحق -أي الإسلام في كل العصور- وبين غيره من الأديان التي يختلط فيها الحق بالباطل والوحي بدعاوى البشر وتحريفهم لكتاب الله، وسوف نعرض في سياق بعض الآيات أفكارًا علمية مستمدة من صريح الوحي -على مستوى الحقائق المبدئية لا على مستوى الآليات والتقنيات- قد خسرها البحث العلمي المعاصر لأنه اعتبرها ما ورائيات أسطورية، لا حقائق تتطلب البحث لنقلها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، كحقيقة تعليم الله تعالى الأسماء لآدم عليه السلام مما يقتضي الاعتراف برصيد معرفي ولغوي وديني بدأت به الحضارة الإنسانية الأولى على خلاف نظريات التطور الخطي السائدة في تاريخ العلوم، وكذلك حقيقة وصول بعض العلوم للحضارات الأولى عن طريق ملائكة كانوا يعلّمون الناس ووصولهم لمستويات متقدمة من التقنيات مما يفسر كثيرًا من الظواهر الأثرية الشديدة القدم التي تفشل العلوم المعاصرة في تفسيرها، وحقيقة خلق الله تعالى لخلق آخر قبل خلق الإنس مما يفسر الحفائر التي تنمّ عن حضارة وتقنيات عالية من عصور ما قبل الإنسان، إذ يقرر العلم المعاصر بيقين أن عمرها يصل إلى مئات الألوف أو ملايين السنين، والقرآن يقرر حقيقة إمكانية السفر نفوذًا من أقطار السماوات والأرض، وهو ما يعني سرعات للحركة في أبعاد المكان أعلى من سرعة الضوء التي يصر عليها علماء الطبيعيات ويتطلب بالتالي مراجعة تأسيسية لنظريات ”الزمكان“ المعاصرة، وحقيقة الحياة والإدراك -أي الوعي في المصطلح العلمي (ويسمونه ”كونسيوس“ باللاتينية)- دون وجود لخلايا مخ ولا أعصاب، وهو وعي مبثوث في كل شيء حتى في المادة التي نحسبها جامدة مما يفتح الباب لحل معضلات علمية وتفسير ظواهر غامضة في مجالات الإلكترونات وما دون الذرة والجينات وعلوم النبات وغيرها، وحقيقة أممية الدواب والطيور والنبات مما يقتضي وعيًا فرديًا وجمعيًا ولغة للتواصل وأعرافًا اجتماعية وغيرها من عناصر الأممية مما لا يعترف به علم الأحياء المادي، بل لا تعترف أغلب مراكز ودوريات الأبحاث الطبية بوعي مستقل أو إرادة للإنسان نفسه خارج تفاعلات المخ والأعصاب الكيميائية، وهناك حقائق قرآنية متنوعة تتعلق بفطرة النفس البشرية في حياتها وموتها وصحتها ومرضها ويقظتها ومنامها ومجتمعاتها ودولها ترفضها نظريات العلوم الاجتماعية والنفسية والطبية الوضعية، فضلًا عن حقائق من السنن الإلهية في النظام الكوني المادي والاجتماعي كما خلقه الله تعالى كالزوجية والتنوع والتداول والتدافع والتوازن، كما سيأتي في مواضعه، وإنما قصدنا الإشارة لرؤوس أقلام الموضوعات في هذا السياق.

ثانيًا، كل إثبات رياضي مبني بالأساس على نظريات تمثل معاني المعاملات الرياضية المختلفة، أي المعاني المتعلقة بـ ”س“ و ”ص“ مثل الجاذبية والوزن وسائر المقيسات، ولكن الاعتراف بوجود معارف غيبية لا ندركها يدفع العلم المعاصر لأن يتواضع وينفتح فيدرك أن المقيسات والنظريات العلمية جميعًا هي مجرد فرضيات بشرية ما أكثر ما يثبت مرور الزمن أنها قابلة للتطوير وليست حتميات، (وفوق كل ذي علم عليم – يوسف ٧٦)، وأقرب مثال على ذلك ما شهدناه من تصحيح متكرر لنظريات أساسية في شتى العلوم خلال القرن الماضي، والتي كانت قد عبرت عنها معادلات رياضية أو إحصاءات رقمية توهمها العلماء حتميات على مدار قرون مضت رافضين بشدة كل محاولة للمراجعة النقدية لها. مثلًا، صحح علماء الطبيعيات والفضاء خلال القرن الماضي نظرية أبعاد المكان والزمان التقليدية وطوروها إلى النظرية النسبية، وأثبتوا عدم دقة الفرضية القديمة التي كانت تفصل أبعاد المكان الثلاثة عن بُعد الزمان في نظريات الطبيعة والجاذبية والفضاء وغيرها، وأثبتوا ارتباط حساب الزمن للأجسام المتحركة بتغير المكان أي بسرعة الجسم المتحرك إلى أن تصل إلى سرعة الضوء فيتلاشى حساب الزمن كما نعرفه، وسرعة الضوء اعتبروها الحد الأعلى ”الطبيعي“ للسرعة الممكنة لأي متحرك، ثم بعد شيوع نظريات النسبية بسنوات قليلة أثبتت تجارب الفيزياء الكمية عدم دقة تصورات البشر عن المادة نفسها في علوم الطبيعيات -تقليدية ونسبية- وعدم الحتمية في وضع حد أعلى لسرعة الأجسام، وذلك مثلًا عند ملاحظة حركة الأجسام متناهية الصغر على مستوى ما دون الذرة وتراوحها بين كونها أجسام أو مجرد موجات، وما زال العلم يبحث ويصحح هذه النظريات التأسيسية وغيرها من النظريات. وإيمان الباحث العالم في أي علم بأن المعرفة البشرية محدودة وأن ما يجهل البشر أكثر مما يعرفون يزيد من قابليته لتصحيح أفكاره وتطوير علومه ويقلل من الميل الطبيعي إلى الجمود على المألوف من الأفكار والتصورات، وهذا الجمود على المألوف والحساسية من نقد النظريات الوضعية والعداء للباحثين أصحاب الحس النقدي العالي لهي من أكبر معوقات التطور في البحث العلمي المعاصر في كل العلوم.

ثالثًا، عدم الإيمان بالغيب أنتج خطأً شائعًا مؤداه أن ما لم يثبته المنطق التجريبي فكأنه غير موجود أصلًا، فحدث خلط مخل بين عدم وجود إثبات مادي لوجود شيء وبين عدم وجود الشيء أصلًا، رغم أنه موجود ولكنه ”غيب“ أي غير مُشاهد بالحواس أو الأدوات المتاحة ولكنه قابل للإدراك. وبناء على ذلك أنكر الطب المعاصر مثلًا قدرة البشر على البرء من المرض دون تدخل مادي رغم أنها حقيقة مؤكدة، وأنكرت علوم الفضاء وجود مخلوقات أخرى في السماوات لعدم وجود دليل مادي عليها، وأنكر علم الإنسان وجود حياة على الأرض قبل حياة الإنسان وزعموا تفسير وجود مخلوقات أخرى شبيهة بالإنسان بأنها كانت مراحل في تطور الإنسان نفسه من مخلوقات بدائية أخرى، وأنكر علم السياسة الدورات الحضارية ودولان الدول حين تجور وتتجبر ويسود فيها الترف وزعموا أن الحضارة الغربية المعاصرة هي ”نهاية التاريخ“، وأنكروا جميعًا الروح والنفس والملائكة والقلب العاقل وما يتعلق بهم في تفسير ظواهر كثيرة مثل الحياة والموت والإلهام والتخاطر والحدس والرؤيا الصادقة، وأنكروا تأثير أخلاق الناس صلاحًا وفسادًا على البيئة والنبات والدواب والماء، وأنكروا باسم العلم وجود الرسل تاريخيًا ومعجزاتهم والكتب المنزلة والبعث والجنة والنار بل ووجود الله سبحانه وتعالى، إلى آخر ما أنكروا من خلال المنهجية المادية الضيقة الأفق، وهنا لا يصح تأويل الوحي المتعلق بالغيب -كما فعل بعض المفسرين المعاصرين- لكي يتماشى مع المنهجية المادية، بل العكس هو الصحيح، فإذا تصادمت النظريات العلمية مع صريح الوحي -دون احتمال للتأويل- حكمنا على النظرية العلمية بالقصور.

(ويقيمون الصلاة): ثم تأتي الصفة التالية للمؤمنين قبل الإنفاق في سبيل الله، ألا وهي إقامة الصلاة، وللصلاة علاقة مباشرة بالإيمان وكثيرًا ما تُقرن  في كلام الله تعالى به وبالإنفاق في سبيل الله: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقا – الأنفال ٣-٤)، والصلاة -كما يدل اسمها- تقصد إلى تحقيق مجموعة من الصلات، فهي صلة بين العبد وربه سبحانه، وبين المؤمنين وبعضهم البعض، وتبني صلات بين العبد وأبعاد الكون المختلفة، المشهود منها مثل علامات الشمس وضوء السماء واتجاه القبلة والمساجد، والغيبي منها مثل الملائكة، وإقامة الصلاة بمعنى ذكر الله فيها حق ذكره وتجويدها والحفاظ على أوقاتها والاستفادة القلبية والسلوكية منها لابد أن تعود جزءًا أصيلًا من الثقافة الإسلامية وفي يوميات المؤمنين أفرادًا وجماعات، وسوف يأتي مكررًا في هذه السورة: (استعينوا بالصبر والصلاة – البقرة ٤٥، ١٥٤) لتعليم المؤمنين سنة إلهية من سنن الغيب وهي أن الصلاة تعين على قضاء حوائج الدنيا والآخرة، وفي الحديث: (كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)،[1] بل ويبين القرآن أن من علامات النفاق الكسل عن الصلاة فضلًا عن الاستهزاء بها: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا – النساء ١٤٢)، (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون – المائدة ٥٨)، وإزالة العقبات من طريق إقامة الصلاة هو مقصود عدد من الأحكام الشرعية، كتحريم الخمر والميسر: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون – المائدة ٩١).

(ومما رزقناهم ينفقون): وأما ”الرزق“ فهو مفهوم أساس تقوم عليه منظومة الاقتصاد الإسلامي في فقهها الصحيح، ذلك لأن المصادر الطبيعية  في التصور الإسلامي السليم ليست نادرة ولا محدودة كما يدعي الاقتصاديون الماديون، بل إن رزق الله واسع ويكفي الجميع! والرزق ليس هو المال ولا العملات الإلزامية التي يستعملها الناس اليوم -وهي مجرد أوراق لا قيمة لها على أي حال كما سيأتي التفصيل في سياق الحديث عن الربا- بل الرزق هو ما يحتاجه الإنسان -ماديًا ومعنويًا- لضروراته وحاجياته وتحسينياته، والمال هو مجرد قيمة تبادلية لتداول تلك الاحتياجات، وإن ضاق الرزق أو نقص في مكان فهو واسع وفائض في أماكن أخرى، وأرض الله واسعة ونعم الله تعالى لا تعد ولا تحصى.

وللاقتصاد الإسلامي فلسفة خاصة في مسألة الرزق تتصل بالإنفاق كما تذكر هذه الآية، فالجوع وفقد الاحتياجات الأساسية في الإسلام ليس طبيعيًا ولا من سنن الله تعالى، وإذا حدث في مجتمع فالسبب هو الظلم والترف وليس ”ندرة الموارد“ ولا ”أزمة الاقتصاد“، وللإمام علي رضي الله عنه مقولة بليغة ترسم سياساته المالية في عصر خلافته لرسول الله ﷺ، يقول فيها: ”إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلا بما متع به غني“،[2] فالإنفاق في الإسلام إلى أن يستوفى المجتمع حاجات أفراده ليس من باب التطوع بل هو نظام عام يقصد إلى أداء حق كل إنسان في أن لا يتضرر أو يُهان ويصل له رزق ربه ولو كفافًا، (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا – الإسراء ٧٠)، وهذا تعريف إلهي للكرامة الإنسانية أشمل وأعدل من التعريف المعاصر الذي يختزل الكرامة في الحقوق القانونية، كما سيأتي.

وسيأتي في القرآن مكررًا وفي صور عديدة بيان مفصل لعبادة الإنفاق في سبيل الله، وهو الأصل القرآني ”للتسبيل“ كما ورد في حديث رسول الله ﷺ: (احْبِسْ أُصولَها، وسَبِّلْ ثَمَرتَها)، وعن ثمامة بن حزن القشيري: أن عثمانَ سبّل بئرَ رومةَ وكان دلوُه فيها كدلاءِ المسلمين،[3] ثم اصطلح على تسميته في الفكر والفقه الإسلامي بالوقف أو الحبس في سبيل الله وأضحى مع مرور الزمن أساسًا متميزًا من أسس العمران الإسلامي اقتبست منه الحضارات الأخرى واستفادت منه في بناء مؤسساتها، والوقف مؤسسة عبقرية غير حكومية ولا تجارية ابتدعها الإسلام بدأت بتوجيه من الرسول ﷺ ثم تبوأت مكانة مركزية في المنظومة الاقتصادية الإسلامية كلها، وقامت عليها الخدمات الأساسية في المجتمعات الإسلامية كالتعليم والصحة والإغاثة وسائر أوجه الإرادة والفعل والتشريع المدني الإسلامي، وتمثّل أعلى صور الإنفاق من رزق الله كما تذكر هذه الآية، ويأتي مزيد حديث عن الوقف في مواضعه.

[1] من حديث حذيفة، قال الأرنؤوط في، تخريج زاد المعاد ٤/١٨٣: فيه محمد بن عبد الله الدؤلي وعبد العزيز بن أبي حذيفة، لم يوثقهما غير ابن حبان.

[2] من نهج البلاغة ٤/٧٨، وله شواهد كثيرة.

[3] رواية أحمد من حديث عبد الله بن عمر، أحمد ٦٤٦٠، وقال الأرنؤوط في تخريج المسند ٦٤٦٠:  صحيح، وهو في البخاري ٢٧٣٧ ومسلم ١٦٣٢، وأن عثمانَ سبّل بئرَ رومةَ من حديث ثمامة بن حزن القشيري وصححه الشوكاني في نيل الأوطار ٥/٢٤١.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة