[email protected] +(00) 123-345-11

الم (1)

هذه الآية الأولى من سورة البقرة تفتح مبكرًا لقارئ القرآن الحريص على العلم باب التساؤل عن الحكَم والمقاصد بل والاجتهاد بإعمال العقل فيها، وتضع الباحث عن آراء المفسرين لها في قلب طيف من المشارب المختلفة، بين طرف يلتزم الحرف الذي لا يفهمه ويتورع عن البحث في الحكمة فيما لم يرد فيه نص فيحيل قراءة الحروف إلى التعبد ويكل المعنى إلى الله تعالى، وبين طرف يزعم تفسير المعنى حتمًا دون دليل ولو خالف تفسيرهم المنقول أو المعقول. ومن المعلوم أنه لم يرد عن النبي ﷺ تفسير لأي من هذه الحروف المقطعة في أوائل السور، وهي: الۤـمۤ في أول البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، و الۤـمۤـصۤ في الأعراف، و الۤر في يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر، و الۤـمۤـر في الرعد، و كۤـهـيـعۤـصۤ في مريم، و طـه في طه، و طـسۤـمۤ في الشعراء والقصص، و طـسۤ في النمل، ويَـسۤ في يس، و صۤ في ص، و حَـمۤ في غافر، وفصلت، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، و حَـمۤ عۤـسۤـقۤ في الشورى، وقۤ في ق، و نۤ في القلم، والذي ورد في السنة هو قراءته ﷺ لهذه الحروف في أوائل السور كما نقلها القراء عنه، وتسميته للسور أحيانًا بما ورد في أولها من حروف، وأمره لأصحابه بتلاوة بعض تلك الحروف مع سكوته عن تفسير معناها، مما يدل على مقاصد للسكوت ليس بالضرورة بمعنى ”السكوت التشريعي“ بل هنا بمعنى السكوت عن بيان تفاصيل يُقصد منها أن يجتهد المجتهدون في فهمها وفقهها وأن يظل باب الاجتهاد مفتوحًا.

وبدأنا الاجتهاد في فهم تلك الحروف المقطعة بحديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (إنْ بَيَّتَكم العَدوُّ فقولوا: حم، لا يُنصَرونَ)،[1] وبحثنا عن هذه السورة فوجدنا (لا يُنصرون) قد وردت في كتاب الله تعالى إشارة للكفار في الدنيا والآخرة في سور آل عمران الآية ١١١، والقصص الآية ٤١، والحشر الآية ١٢، وفصلت الآية ١٧، ولكن الإشارة هنا هي إلى سورة فصلت، وهي التي افتتحت بـ (حم)، والمعنى هو الإشارة لما ورد فيها من تحذير ثم عقاب لقوم عاد: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون – فصلت ١٧)، مما دلنا -أولًا- على أن لتلك الحروف المقطعة معاني معينة مقصودة وليست مجرد حروف.

وقد مال الحرْفيون إلى أنه ما دمنا لم يصل إلينا نص صريح عن معنى هذه الحروف فإننا نكلها إلى الله تعالى ولا يجوز للمجتهدين أن يُعملوا العقل أو الرأي في فهم مقاصدها، ولكن اجتهاد فقهاء الصحابة وتابعيهم بإحسان رضي الله عنهم في محاولة فهم هذه الحروف ولو  بالبحث في لغات أخرى يدلنا على صحة ما ذهبنا إليه من محاولة الاجتهاد في فهمها، مع إيكال العلم بحقيقتها إلى الله تعالى.

وقد مال كثير من القدماء والمعاصرين من أصحاب البلاغة إلى معنى الإعجاز اللغوي، أي أن الحكمة منها بيان أن هذه هي حروفكم العربية التي تستعملونها على حرف واحد (ص، ن، ق)، وحرفين (حم)،  وثلاثة (الم)، وأربعة (المر، المص)، وخمسة (كهيعص، حم عسق)، وأن المقصود هو بيان الإعجاز في تركيب القرآن من نفس الحروف المعروفة للبشر بما لا يستطيعه البشر، وهو رأي له وجاهة ولو أنه لا يفسر لماذا هذه الحروف بالتحديد ولماذا يتكرر بعضها في بعض السور ويتلوها ذكر موضوعات محددة، وهو أمر ليس عشوائيًا بيقين، إذ أن العشوائية غير واردة على الكتاب الحكيم.

وقد حاول آخرون الإجابة عن تلك الأسئلة بأن زعموا أن هذه الحروف الأربعة عشرة (ا ل م ص ر كـ هـ يـ عـ طـ س حـ ق ن) قد اختيرت لسر وهو أن تتكون منها عبارة مفيدة، زعم بعضهم أنها: نص حكيم قاطع له سر، وزعم آخرون أنها: صراط علي حق نمسكه، وآخرون: صح طريقك مع السنة، أو غير ذلك من صياغات، واقترح البعض أنها طلسمات لها قوى خارقة للعادة أو فيها إشارات لتأييد بعض الصحابة، أو اعتبروها حروفًا ”نورانية“ في مقابل الحروف الأخرى للأبجدية التي اعتبروها ”ظلمانية“ لأنها لم ترد في أوائل السور، وهذه كلها شطحات غريبة ومستبعدة ولا دليل عليها من منطق مستقيم أو دليل.

وذهب آخرون إلى أنها من أسماء الله تعالى التي لا يُعرف معناها، أو أنها أحرف تدل على أسماء مثل: الحرف ألف من لفظ الجلالة الله وحرف اللام من جبريل وحرف الميم من محمد، أو أن تركيبها هو الذي يدل على أسماء لله تعالى، مثل: (الر) ثم (حم) ثم (ن) فيتكون منهم اسم (الرحمن)، وقال بعضهم إنها مجرد أسماء للسور، ولكن هذا كله لا يطّرد في كل الأسماء ولا السور ولا يفسر لماذا تتكرر بعض الحروف في سور مختلفة وما هي معانيها المقصودة. وذهب بعض المستشرقين إلى أنها مجرد أصوات لضبط الإيقاع في تلاوة الآيات، وهو غريب وغير مطرد ومستبعد. وقال البعض إنها كلها تشير إلى القرآن الكريم، بدليل: (الم. ذلك الكتاب)، (حم والكتاب المبين)، (ق والقرآن المجيد)، ولا يفسر هذا بعض الحروف التي لا يتلوها ذكر للقرآن مثل: (الم. غلبت الروم)، وقال البعض إنها أشكال من القَسَم، ولا يتسق معنى القَسَم مع السياق في بعض السور مثل: (كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا).

وذهب آخرون إلى حساب الجُمل جامعين الأرقام المقابلة لهذه الحروف لتدل على أعداد من السنوات لعمر الأمة أو إشارات لأحداث حدثت في سنوات معينة، وهو أيضًا غريب ومستبعد ويحتمل الخلاف حسب عدّ الحروف في القراءات المختلفة وحسب دقة التقويم الزمني للسنين في الأصل.

وذهب البعض من أصحاب التفسير العلمي المعاصر إلى أن كل حرف في أوائل سورة يدل على أعلى تكرار له داخل تلك السورة، مثل تكرار الحروف ا ل م في سورة البقرة، أو الحروف ط س م في سورة الشعراء، أو الحرف ق في سورة ق، ولكن الإحصاء يدل على أن هذا ليس مطردًا في كل السور.

وما يلي هو محاولة اجتهادية لتفسير هذه الحروف تأسيسًا على بعض آراء المفسرين من الصحابة والتابعين وبعض الباحثين المعاصرين، ومن خلال المنهج التكاملي الذي انتهجناه كما عرضناه في المقدمات، ونعرض مع التفسير الذي نطرحه -باختصار- أدلتنا من الوحي ومن نظريات اللسان العربي، وذلك من منطلق منهجي إسلامي متجاوز لنظريات الاستشراق اللغوية، والله أعلم.

خلاصة الرأي هنا أن هذه الحروف هي الحروف الأبجدية العربية بأصواتها المعروفة، ولكن أسماء الحروف هي نفسها كلمات ذات معاني، وهذه المعاني كانت في أصل اللغة القديمة التي هي: اللغة العربية الأم، أي لغة البشر حين كان الناس أمة واحدة قبل أن يتفرقوا ويختلفوا وتختلف ألسنتهم وتتطور لغاتهم، وقد تولّدت العربية ”المبيَّنة“ -التي نزل بها القرآن الكريم من بعد والتي هي كما نعرفها اليوم- عن تلك العربية الأم وهي لغة شديدة الاتساع والغنى، وليست مختلفة عنها بأي حال، وإنما هي ابنتها وورثت جذورها من حروف تلك اللغة الأم ولو ندر أو اندرس استعمال بعض كلماتها في لهجة أو أخرى من لهجات العربية المبيَّنة التي نعرفها في اللغات -أي اللهجات- العربية.

وقد روى ابن الأثير في خطبة “النهاية” أن عليًا بن أبي طالب رضي الله عنه سمع رسول الله يخاطب وفد بني نَهد فقال: يا رسول الله: نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: “أدبني ربي فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد“،[2] مما يدل على اندراس بعض اللسان العربي من بعض لهجات العرب حتى عند فطحل من فطاحل الفصاحة كابن أبي طالب.

إلا أن الكلمات التي اندرس استعمالها مع تطاول القرون من لهجات العربية لعلها لم تندرس من لغات أخرى هي أيضًا وارثة للغة البشر العربية الأم، ولهذا تتم الإشارة للغات أخرى في حديث النبي ﷺ وفي كلام بعض فقهاء الصحابة الذين أخذوا العلم عنه، وهذه الإشارة للغات أخرى ليست لأن في القرآن كلمات أعجمية أي منقولة من الحبشية أو النبطية أو العبرية أو الآرامية أو غيرها من اللغات غير العربية كما ادعى كثيرون، بل لأن لهذه الكلمات أصلًا عربيًا من اللغة الأم الأولى ومازالت تحمل جذورًا عربية من الحروف العربية، ولو اندرس استعمالها من العربية وبقيت في لغة أخرى أو أكثر، وبالتالي فالبحث في معاني كلمات الحروف المقطعة في الجذور العربية التي تعبر عن معانيها هي دليلنا لمعرفة معانيها الأصلية، ونستأنس في ذلك بما ورد من معاني هذه الكلمات في اللغات القديمة قريبة الصلة باللغة العربية الأم. وفيما يلي مناقشة مختصرة لأدلة ما وصلنا إليه من نتائج.

أولًا، الدليل على أن الحروف المقطعة هي حروف من اللغة العربية هو أن النبي ﷺ سمّاها كذلك، فمن حديث عبدالله بن مسعود: (مَن قَرَأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فله حَسَنةٌ، والحَسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها لا أقولُ: الم حَرفٌ، ولكن: أَلِفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ)،[3] وأما الدليل على أن أسماء هذه الحروف كلمات ولها معاني فهناك روايات كثيرة لمعاني تلك الحروف منسوبة إلى لغات أخرى – وتفسيرها ما ذكرناه من أصل اللغات الإنسانية، كالذي ورد في روايات مختلفة عن ابن عباس وأبي ذر والحسن البصري وعطاء وأبي مالك ومجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والسدي وابن أبزى وعكرمة والضحاك أن طه معناها يا رجل بالسريانية والنبطية، وأن يس معناها يا إنسان بلغة طيء وبالحبشية.[4]

وأما صحة تفسير معنى كلمة غريبة في العربية بالعودة إلى لغات أخرى وأصلها عربي على أي حال،  فدليله مثلًا ما روته أم خالد أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص: أَتَيْتُ رَسولَ الله مع أبِي وعَلَيَّ قَمِيصٌ أصْفَرُ، فقالَ رَسولُ الله ﷺ: (سَنَهْ سَنَهْ)، وعلق الراوي: هي بالحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ،[5] وهذا من عرف اللغات في تطورها أن تُحذف بعض حروفها -كما حُذفت الحاء هنا- وأن تبقى أصوات بقية الكلمة لتعبر عن نفس المعنى -سنه بمعنى حسنة-، وهذا الحذف في نفس الكلمة العربية التي نطق بها رسول الله ﷺ وكما ورثتها الكلمة الحبشية قد حدث في لغات مختلفة، فكلمة ”سَنا“ تعني حسنة كذلك باللغة اللاتينية وعدة لغات أخرى تولدت عن العربية أو تأثرت بها.

واللاتينية هي إحدى اللغات القديمة التي تولدت أصلًا من العربية الأولى وحملت جذورها وهياكلها في النسبة الغالبة من كلماتها كما أثبتت الأبحاث المعاصرة التي لم تتأثر بتحيز المستشرقين، كالمستشرق رينان مثلًا الذي كتب يقول إن اللغة العربية ”لا طفولة لها“، وزعم أن العربية وُلدت كاملة في القرن السادس قبل الميلاد فحملت كل ميزات ما سماه ”الجنس السامي“ وما سماه ”اللغات السامية“، مما يمرر أكذوبة اللغات “السامية“ وكأن العربية فرع وليست أصلًا للعبرية، وهي أكذوبة في غلاف من الكلام المعسول انطلت على كثيرين، حتى أن بعض دويلات الغالبيات المسلمة المعاصرة منحته جوائز تكريمية، وهو عجيب. وتبدو لي النظريات السامية -والجوائز والسياسات التي تتبناها- قد اختُرعت خدمة للغة العبرية ومشروعها السياسي المعاصر في احتلال قلب العالم الإسلامي في فلسطين، والحركة المعاصرة التي تزعم أنها ضد ”معاداة السامية“ تقوم ببساطة بإخراج العرب من السامية نفسها، أي النسبة لسام بن نوح، لغة ونسلًا، وهو خطأ تاريخي وعلمي واضح.[6]

وقد روى سعيد بن جبير عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه قال: (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ – المزمل ٦) هو بكلامِ الحبشية: نشأَ قام.[7] ولكن جذر الفعل (ن ش أ) في هذا المثال أصل عربي كامل وغير محرف، ولو لم يعرفه ابن عباس رضي الله عنه في لهجته، ففي القرآن (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة – العنكبوت ٢٠)، والتي قرأها الحسن البصري وابن كثير وأبو عمرو: (النشاءة) على لهجات عربية غير لهجة قريش، في القرآن: (وينشئ السحاب الثقال – الرعد ١٢)، (وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين – الأنعام ٦)، (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين – الأنعام ١٣٣)، وغيرها، وفي الحديث: (نَشأ ينشؤون يتخذون القرآن مزامير)،[8] وقد بقيت نفس الكلمة على معناها في اللغات التي تولدت عن اللغة العربية الأم، فهي بنفس المعنى مثلًا في العبرانية والآرامية وإن نطقوها (نسأ) قلبًا للشين إلى سين. وعن حذيفة بن اليمان أن رسولُ اللهِ ﷺ سُئل عن السّاعةِ فقال: (إنَّ بين يديها فتنةً وهرْجًا. قالوا: يا رسولَ اللهِ، الفتنةُ قد عرفناها، فما الهرْجُ؟ قال بلسانِ الحبشةِ: القتلُ)،[9] والتركيب الصوتي (هـ ر ج) عربي أصيل كذلك ولو لم يعرفه الصحابة الذين سألوا عنه في لهجاتهم، وتصريف (هـ ر ج) معروف في كلام العرب شعرًا ونثرًا،[10] بمعنى الاختلاط والفتنة والتحير، فيقال هَرِج البعير أي سدر وتحيّر، وفي حديث أشراط الساعة: (وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعليهم تَقُومُ السَّاعَةُ)، أي يتناكحون.[11] والخلاصة أنه يمكن – منهجيًا – الإحالة إلى لسان من غير العربية متولد على أي حال عن العربية القديمة، وذلك من أجل تفسير كلمات عربية أصيلة ولو كانت غريبة على لهجة سامعيها من العرب، نظرًا لقدم اللغة العربية واتساعها وتعدد اللهجات داخلها.

وأما الدليل على أن العربية المبيَّنة تولدت عن اللغة العربية الأم الأولى -التي تُوسم بالعربية القديمة في دوائر البحث الجامعي- فهو كالتالي: ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن رسول الله ﷺ قال: (أوَّلُ مَنْ فُتِقَ لِسانُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبَيَّنَةِ إسماعيلُ وهُوَ ابنُ أربعَ عشرةَ سنةٍ)،[12] ووصف العربية بالمبيَّنة هو الوصف الذي ورد في القرآن الكريم للسان القرآن نفسه، قال تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين – النحل ١٠٣)، وقال: (نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين – الشعراء ١٩٢-١٩٥)، وهذه هي عربية إسماعيل مصداقًا لحديث أم إسماعيل الطويل: (فَشَرِبَتْ وأَرْضَعَتْ ولَدَهَا، فَقالَ لَهَا المَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ؛ فإنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هذا الغُلَامُ وأَبُوهُ، وإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وكانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عن يَمِينِهِ وشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذلكَ حتَّى مَرَّتْ بهِمْ رُفْقَةٌ مِن جُرْهُمَ -أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِن جُرْهُمَ- مُقْبِلِينَ مِن طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا في أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقالوا: إنَّ هذا الطَّائِرَ لَيَدُورُ علَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بهذا الوَادِي وما فيه مَاءٌ، فأرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بالمَاءِ، فَرَجَعُوا فأخْبَرُوهُمْ بالمَاءِ، فأقْبَلُوا، قالَ: وأُمُّ إسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقالوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، ولَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ في المَاءِ، قالوا: نَعَمْ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: فألْفَى ذلكَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ وهي تُحِبُّ الإنْسَ، فَنَزَلُوا وأَرْسَلُوا إلى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا معهُمْ، حتَّى إذَا كانَ بهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ منهمْ، وشَبَّ الغُلَامُ وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ منهمْ، وأَنْفَسَهُمْ وأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً منهمْ، ومَاتَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ).[13]

وهذا الحديث بدوره يدل على عدد من الحقائق اللغوية: أن جرهم تفاهمت مع هاجر رضي الله عنها -التي تكلمت باللغة المصرية القديمة- بلسان مشترك أو قريب، وأن عربية إسماعيل عليه السلام التي وصفها الإمام علي رضي الله عنه بأنها ”مبيَّنة“ وأنه فُتق لسانه عليها شابًا لم تكن جديدة تمامًا بل تعلمها من جرهم أولًا، ثم لما كبر وشب شبابًا حسنًا نافس معلّميه كما ذكر ﷺ وجوّد لغته العربية وبيّنها فصارت ”عربية مبيَّنة“، ولم يكن إسماعيل عليه السلام أول من تكلم العربية، فأول من تكلم العربية – في صورتها الأولى – هو آدم عليه الصلاة والسلام، وسيأتي مزيد بيان مع التعليق على قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها – البقرة ٣١) وغيرها من الآيات ذات الصلة، وقد وصل علماء الإسلام قديمًا وحديثًا من بحثهم اللغوي إلى أن اللسان الأول الذي تعلمه آدم ونزل به من الجنة هو العربية،[14] وأن لسان نوح عليه الصلاة والسلام وذريته كان العربية أو لغة تقاربها كما قال الفراهيدي وغيره. ووافق هذه النظرية اللغوية الإسلامية بعض المنصفين من المستشرقين -مثل نولدكه ولفنستون ودي غُوي وفيليبي- في أن العربية الأولى هي أصل اللغات التي يسمونها سامية،[15] بل انتقد باحثون معاصرون كثْر وسم هذه اللغات والأعراق أصلًا بالسامية -أي نسبة لسام بن نوح- على يد المستشرقين في القرنين الماضيين وزعمهم أن هذه هي تسمية العهد القديم ثم استثناء الكنعانيين منهم وإنكار المكانة التاريخية لجزيرة العرب واللغة العربية، وهذه كلها أجزاء من الخطط الاستشراقية الاحتلالية لسحب الشرعية والمكانة المركزية للعربية لغةً وأعراقًا من جزيرة العرب وما حولها، والصحيح في تسمية هذه اللغات أو اللهجات والأعراق ”السامية“ هي وصفها بـ : ”الجزرية“ نسبة لجزيرة العرب، أو العاربة، أو العربية.[16]

وهذا الموضوع بحثي ومركب، ولكن أقرب مثال على أصلية اللغة العربية في لغات البشر هو اسمَي آدم وحواء عليهما السلام اللذَين اتفق البشر على أنهما علَمان على أب وأم البشر، وهما من الجذرين العربيين (أ د م) و (ح و ي) على وزن (فاعَلَ) و(فعلاء)، وهذان جذران وتصريفان عربيان خالصان، وقد بقي آدم كما هو في لغات الناس ولو لم يعرفوا أصله أو يوجد عندهم ميزان صرفي أصلًا، وقد منع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وإنْ حُرّف (آدم) أحيانًا إلى (آداما) أو (أدامو)، وبقي اسم حواء وإنْ حرّف كذلك من الأصل العربي بقلب الحاء إلى همزة والواو إلى الفاء الثقيلة، إلى (إيف) أو (إيفا) أو (إيفيت) أو (إيفيتا)، وتعود أصول أغلب مفردات اللغات القديمة التي تولدت منها اللغات المعاصرة إلى الجذور والأصوات العربية من لغة البشر الأولى. ويأتي مزيد من هذا البحث في مواضعه من الآيات.

وجرهم من القبائل التي كانت ترتحل في جزيرة العرب في ذلك الزمان، ولكن الحديث يدل على أن لغتهم كانت معروفة لإبراهيم ﷺ رغم أصله من أرض العراق القديم ويتكلم بلغة من لغاته، فبقية الحديث المذكور فيه أن إبراهيم ﷺ قد زار مكة فيما بعد ودار بينه وبين امرأتين لإسماعيل عليه السلام -وكانتا من بنات جرهم ويتحدثان العربية الأم- حوارات في غياب إسماعيل، مما يدل على أن اللغات كانت إلى ذلك الزمان متداخلة ومتفاهمة، ويلاحظ الدارسون اليوم أن حفيدات تلك اللغات من لغات اليوم ما زالت بينهن مشتركات كثيرة تعود كلها إلى الجذور العربية للكلمات من اللغة الأم.[17]

أما (الۤـمۤ)، فالألف هو اسم الحرف العربي القديم وجذره (أ ل ف) من معنى الألفة أي الود أو الصحبة، وقد روى الجعفرية عن الإمام جعفر الصادق أنه سُئل عن الألف في (الۤـمۤ) فقال: (معناها من الألفة فكما أن الله عز وجل سبب ألفة الخلق فكذلك الألف عليه تألفت الحروف)،[18] ويأتي في نفس السورة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ – البقرة ٢٤٣)، وألوف هنا بمعنى جمع العدد ألف أو بمعنى متآلفون كما ذكر الزمخشري، ونجد أن الألف فيه نفس معنى الإلف والتآلف في اللغات القديمة، كاللغة القبطية الأولى أو المصرية القديمة -والتي رسمت بالهيروغليفية- وبقي فيها لفظة (أَلِف) بمعنى الصاحب أو الإلف،[19] حتى بعد أن انحرفت عن نظام الجذور إلى نظام مختزل غير جذري، وكذلك لفظة (أَلِف) في الفينيقية والعبرانية والآرامية على نفس المعنى رغم اختلاف تحريفاتهم عن العربية الأصلية. فكأنّ حرف (ألف) هنا هو افتتاح للسورة بنداء للإنسان فيه ود وتأليف له، والله أعلم. وأما (لام) فهي كلمة تحمل معنى الشدة والهم، فالأمر اللام في لسان العرب القديم هو الأمر الشديد من كل شيء، وفي قول المتلمس الشاعر: يكاد من لام يطير فؤادها … إن صاح مكاء الضحى المتنكس، واللام أو اللامَة هي الهول، واللام أيضًا هو شخص الإنسان، وأنشد الجوهري للراجز: مهرية تخطر في زمامها … لم يُبق منها السير غيرَ لامها.[20] وإذا بحثنا في اللغات القديمة كذلك وجدنا معنى قريبًا، ففي اللغة القبطية أو المصرية الأولى ترد (لام) في الكتابات الفرعونية بمعنى المهموم.[21] وبالتالي فمعنى اللام بعد الألف هنا يبدو وكأنه رسالة بالحروف القديمة بمعنى: أيها الإلف هذا أمر مهم وشديد.

وأما الميم ككلمة فلم أجد لها معنى مباشرًا في لسان العرب كما نبحث فيه اليوم، إلا ما كتبه المرادي في ”الجنى الداني في حروف المعاني“ يقول إن الميم قد تأتي كحرف معنى بمعنى القسم بدلًا من واو القسم أو بمعنى التعريف بدلًا من لام التعريف، ولكن هذا لا يدل على معنى الميم ككلمة أي معنى حرف ”ميم“ الوارد في هذه الآية (الۤـمۤ). إلا أننا وجدنا في قصيدة ابن سينا الشهيرة عن النفس الإنسانية ”هبطَتْ إليك من المحلّ الأرفع“ استخدام الميم ككلمة في قوله: حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها … في ميم مركزها بذات الأجرع، والتي أورد المناوي في شرحه لها رأي السمناني أن ميم المركز بمعنى نقطة المركز،[22] والميم بمعنى النقطة تشبه معنى كلمة ”ميم“ في لغات قديمة، إذ أنها في اللغة القبطية الأولى أو الهيروغليفية تأتي بمعنى نقطة الماء،[23] وفي اللاتينية شطر من كلمة ”لَكْرِميم“ وهي كلمة أصلها مركب بمعنى دمع العين.[24] وهذا منتهى ما وصلنا إليه في البحث، والله أعلم.

وعليه، فقد نركّب من هذه المعاني الثلاثة للألف واللام والميم -اجتهادًا- رسالة من كلمات الحروف العربية القديمة بمعاني نحو: ألف: كأنه نداء للإنسان من مكان قريب وودود، ولام: كأنه تنبيه شديد على أمر جلل مهم، وميم: كأنها إشارة إلى مورد ماء أو منبع حكمة، وكأنها تقول: ”أيها الإلف هذا أمر جلل ومنبع حكمة“، والله أعلم. وسوف تأتي في مواضعها من الآيات محاولاتنا على نفس المنوال لفهم المعاني العربية للحروف المقطعة الأخرى وربطها ببعضها لتتكامل معانيها.

[1] قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٣٠/٥٢٠: صحيح، أبو داود ٢٥٩٧، الترمذي ١٦٨٢، النسائي ٨٨٦١، أحمد ١٦٦١٥.

[2] مضت مناقشته حديثيًا وتصحيح بعض المحدثين له عند (الحمد لله رب العالمين – الفاتحة ٢).

[3] قال الأرنؤوط في تخريج رياض الصالحين ٩٩٩: صحيح، الترمذي ٢٩١٠، الطبراني ٩/١٣٩ ٨٦٤٦.

[4] راجع مثلًا: العيني في عمدة القاري ١٩/٧٩ قال: إسناده صحيح.

[5] البخاري ٣٠٧١.

[6] قارن هذا البحث الرائد للدكتورة تحية إسماعيل مع ادعاءات رينان، وتعجب معي لماذا لم يكرّمها المسلمون أو العرب:

  1. A. Ismail, Classic Arabic as the Ancestor of Indo-Europian Languages and Origin of Speech (العربية القديمة كأصل للكلام وأم للغات الهندو-أوروبية للدكتورة تحية إسماعيل), Cairo: Al-Ahram Press, 1989

Ernest Renan, Histoire générale et système comparé des langues sémitiques (التاريخ العام والمقارنة المنظومية للغات السامية), Paris: Imprimerie impériale,1855 (google books).

[7] من حديث ابن عباس، قال العيني في عمدة القاري ٧/٢٧٧: إسناده صحيح.

[8] قال الأرنؤوط: صحيح لغيره، أحمد ٢٣٩٧٣، ابن أبي شيبة ٣٨٩٠١، الطبراني ١٨/٥٧.

[9] من حدث عبدالله بن مسعود، البخاري ٧٠٦٦.

[10] راجع: لسان العرب هـ ر ج.

[11] من حديث النواس بن سمعان الأنصاري، مسلم ٢٩٣٧.

[12] قال ابن حجر في فتح الباري ٤٦٤/٦: إسناده حسن، والقسطلاني في إرشاد الساري ٥/٣٥٥: إسناده حسن.

[13] من حديث ابن عباس، البخاري ٣٣٦٤.

[14] جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لامك: دار إحياء الكتب العربية،١/٢٠. الفراهيدي، العين، ١/٢٠٥. ابن حزم، الإحكام ١/٣. وراجع: إبراهيم السامرائي، دراسات في اللغتين السريانية والعربية، بيروت: دار الجيل، ١٩٨٥، ١٥.

[15] مثلًا: تيودور نولدكه، اللغات السامية، ترجمة: رمضان عبد التواب، القاهرة: مكتبة دار النهضة العربية، ١٩٦٤، ص ١٥. لفنستون، تاريخ اللغات السامية، دار القلم، بيروت، ١٩٨٠. وكذلك دي غُوي على: archive.org

Michael Jan de Goeje, Fragmenta Historicorum Arabicorum, Lugdunum Batavorum: Brill, 1869

[16] راجع: فاطمة راشد، صوت السین العربیة في ضوء لهجات شبه الجزيرة العربیة، جامعة بغداد، ١٤٣٧هـ. سامي سعيد الأحمد، المدخل إلى تاريخ اللغات الجزرية، ص٣. طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ص٧٧. أحمد سوسه، حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين، ص ٥٧. كاصد الزيدي، دراسات نقدية في اللغة والنحو، ص ١٣٩. عامر سليمان، اللغة الأكدية، ٦٠. علي عبد الواحد وافي، فقه اللغة، نهضة مصر، القاهرة. خالد إسماعيل، مقدمة: فقه لغات العاربة. زينة الربيعي، الكاف في العربية في ضوء لهجات شبه الجزيرة العربية دراسة لغوية، جامعة بغداد، ٢٠١٠، وغيرهم.

[17] راجع الدراسة المستفيضة حول اللغات القديمة اللاتينية والإنجليزية والفرنسية والجرمانية والهندو-الأوروبية والفرعونية في:

  1. A. Ismail, Classic Arabic as the Ancestor of Indo-Europian Languages and Origin of Speech, Cairo: Al-Ahram Press, 1989 (العربية القديمة كأصل للكلام وأم للغات الهندو-أوروبية للدكتورة تحية إسماعيل)

 

وكذلك الدراسة التي تثبت الأصل العربي للغات الآشورية والبابلية والعبرانية والآرامية والحبشية ولغات جنوب الجزيرة في:

فوزية علي عواد القضاة، اللغة العربية أصل اللغات السامية و هي اللغة (الأم)، حوليات آداب عين شمس، ٣٨/٢٠١٠

[18] راجع تفسير الطبرسي للآية.

[19] راجع: سعد العدل، الهيروغليفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ٢٠٠٣م.

[20] الخليل الفراهيدي، كتاب العين، ٨/٣٤٣. الزبيدي، تاج العروس، ١٧/٦٦٣

[21] راجع: سعد العدل، الهيروغليفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ٢٠٠٣م.

[22] شرح المناوي على قصيدة النفس، لبنان: كتاب ناشرون، ص ٨١.

[23] سعد العدل، الهيروغليفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ٢٠٠٣م.

[24] mymemory.translated.net/en/Latin/English/lacrimam

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة