[email protected] +(00) 123-345-11

يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9)

يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9)

هناك قراءتان متواترتان في هذه الآية: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم)، وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم)، وقرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (يَخْدَعون) في الموضعين، وخادع على وزن فاعَلَ تختلف عن خدع على وزن فَعَل، فالمفاعلة معناها يتعلق بفاعِلَين يصدر عنهما الفعل، كما قال الطهطاوي في نظم المقصود: لصادر من امرأين فاعَلا … وقَلَّ كالإلهُ زيدا قاتلا،[1] وقد قَلَّ فعلًا أن تأتي في كتاب الله أن الله تعالى يقاتل، ووردت عن المنافقين: (قاتلهم الله أنّى يؤفكون – المنافقون ٤)، وليس المراد بالطبع أنه يقتلهم ويقتلونه، بل المراد من أن يقاتلهم الله سبحانه هو دعاء أن يقتلهم ويريح الناس من شرهم.

أما من يخدعون؟ فالمنافقون لا يؤمنون بالله أصلًا في دخيلة أنفسهم، بل هم أقرب إلى الدهريين الذين قال الله تعالى فيهم: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر – الجاثية ٢٤)، ولكن هؤلاء المذكورين في الآية نفاقهم عجيب، فهم في تذبذبهم قد يعترفون بوجود الله تعالى ولكنهم يظنون أنه -تعالى عن ذلك- قابلاً للمغالبة بالخداع، أي يظنون كأنهم يخدعونه ويخدعهم -تعالى عن ذلك-، وهو نوع عجيب وبائس من الكفر لأنهم في الحقيقة ما يخدعون إلا أنفسهم، أو حسب القراءة الأخرى (يخادعون)، أي يخدعون أنفسهم حينًا وتخدعهم أنفسهم حينًا أخرى، وهو تصوير أبلغ لحال المنافقين المتناقض وكأن لهم أكثر من نفس متعارضة مع بعضها، كما قال تعالى عن عقاب المنافقين في سياق سلوكهم الذي صورته سورة الأحزاب: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا – الأحزاب ٦٦)، فهم لهم وجوه وليس وجهًا واحدًا.

و(يخادعون) بدَل من فعل (يقول) في (ومن الناس من يقول آمنا بالله) في الآية السابقة، ولكن التعبير هنا فيه التفات من المفرد في (يقول) في الآية السابقة إلى الجمع في (وما هم بمؤمنين)، ثم يصفهم بأنهم: (يخادعون) بالجمع، مما يلفت التالي للقرآن إلى خطورة المنافقين كفئة وجماعة بعد أن وصف حال المنافق كفرد، فمخادعتهم للذين آمنوا يفعلونها كجماعة وإفسادهم في الأرض يفعلونه كجماعة، ولذلك فسيأتي بعد ذلك الإشارة إلى اجتماعاتهم التآمرية التي يخلون فيها إلى شياطينهم. والخداع المذكور ورد أنه أيضًا خداع للذين آمنوا، والقصد من ذكر ذلك هو تحذير المؤمنين الصادقين – في زمن النبي ﷺ وفي كل زمن من خداع المنافقين ومكرهم، وهو تحذير حريّ بالأخذ بعين الاعتبار خاصة إذا اعتبرنا خطر المنافقين على الإسلام علمًا وتطبيقًا.

أما (وما يشعرون) فالقصد منها بيان حالهم من جهة وتخويف المؤمنين الصادقين من جهة أخرى، إذ أن هؤلاء المساكين لا يشعرون بضلالهم وسوء حالهم في هذه الحياة الفانية وفي الأخرى الباقية. كيف يمكن أن يخدع الإنسان نفسه إلى هذا المدى إلا أن يكون مريضًا فعلًا، وهذا ما تذكره الآية التالية.

ومفهوم النفس من المفاهيم القرآنية المركبة والأساسية في تعريف الإنسان، فالنفس هي ذات الإنسان ووحدة وجوده في الحياة، وهي غير الجسد لأن الله تعالى حين يتوفى الأنفس حين موتها أو في منامها بأن يجعلها تفارق الجسد، والنفس لها صفات كأن تكون لوامة أو مطمئنة أو أمارة بالسوء، ويتعلق بها أحكام كقتل النفس والقصاص أن النفس بالنفس، ويتعلق بكل هذا مقاصد متنوعة كما يأتي التفصيل في سياقات الآيات التي تعلّمنا عن النفس الإنسانية.

وأما أنهم (لا يشعرون) أي لا يعلمون أو يحسون أو يدركون أو يعقلون شيئًا خفي عليهم، ومثله قوله تعالى: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون – الأنعام ١٠٩)، وما ورد من قول النبي ﷺ لنسائه: (ليت شِعري أيُّتكنَّ صاحبةُ الجملِ الأدبَب)،[2] أي ليت علمي، ومثله الشعر الذي كان يردده بلال رضي الله عنه في شوقه لمكة: أَلا لَيْتَ شِعْرِي هلْ أبِيتَنَّ لَيْلَةً … بوادٍ وحَوْلِي إذْخِرٌ وجَلِيلُ، والشعور كمفهوم له تعلق بذكر القرآن كذلك للشعر والشعراء، لأن الشاعر يشعر -أو يعلم أو يحس- بما لا يشعر به غيره، (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين – يس ٦٩). فهؤلاء المنافقون يخدعون أنفسهم ولا يشعرون، ويفسدون -كما يأتي بعد آيتين- ولا يشعرون أيضًا.

والشعور من أبعاد الإدراك الإنساني وله تلازم مع الحياة، وما دام الإنسان شاعرًا بأي شعور فهو حي ولا يجوز شرعًا اعتباره ميتًا أو دفنه أو انتزاع قلبه مثلًا. ونفي شعورهم بأنهم يخدعون أنفسهم ويوردونها المهالك يقصد إلى بيان حالهم في الضلال وأنهم قد يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهم مسيئون، ويقصد كذلك إلى تخويف المؤمنين الصادقين من النفاق الذي قد لا يشعر به الإنسان.

ولذلك كان السابقون الأولون من الصحابة يخافون من مرض النفاق أن يصيبهم ويحذرون منه. قال حُذَيفة رضي اللهُ عنهُ – وكان يعرف بعض أسماء المنافقين الذين أخبره بهم الرسول ﷺ: ماتَ رجلٌ من المنافِقينَ، فلَم أُصَلِّ عليهِ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ما منعَك أن تصلِّيَ عليهِ؟ قُلتُ: إنَّهُ منهُم. فقال: أبالله منهُم أنا؟ قُلتُ: لا. فبكى عمر.[3] فأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رغم سابقته وإمامته في الإسلام وجهاده كان يخاف من النفاق خوفه من مرض يصيبه وهو لا يشعر.

[1] أحمد عبد الرحيم الطهطاوي، نظم المقصود في الصرف، دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠١٠، والمراد في البيت أن ”فاعَلا“ هو فعل صادر من امرأين أي شخصين، وأنه يقل في الكلام أن تُذكر فاعَل والفعل من طرف واحد، كما يقاتل الله المنافقين.

[2] من حديث عبد الله بن عباس، وأخرجه ابن حجر في مختصر البزار ٢/١٧١ على شرط البخاري، وابن أبي شيبة ٣٨٩٤٠، وتمام لفظه: (ليتَ شعرِي، أيتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدببِ، تخرجُ فينبَحُها كلابُ حوأبٍ يقتلُ عنْ يمينِها وعنْ يسارِها قتلى كثيرٌ، ثمَّ تَنجو بعدَما كادَتْ)، وفيه نبوءة بيوم الجمل.

[3] من حديث زيد بن وهب الجهني، استشهد به ابن حزم في المحلى ١٢/١٥٧، وقال ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ٤/١٢٣: إسناده صحيح، ومعرفة حذيفة لبعض أسماء المنافقين لأن النبي ﷺ أسر إليه بهم يوم عقبة تبوك ولم يطلع عليهم أحدا غيره، وعمار بن ياسر عرفهم أيضًا لأنه كان حاضرًا في ذلك اليوم. راجع عند: البقرة ١٥، ١٩، التوبة ٧٣، ٧٤.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة