[email protected] +(00) 123-345-11

أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19)

أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19)

وهذا من المواضع في كتاب الله تعالى التي يَضرب فيها مثلين متتابعين لوصف حالة واحدة، قاصدًا بذلك مزيدًا من البيان بالتمثيل بأبعاد متعددة لنفس الحالة، مثل: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء .. أو كظلمات في بحر لجي – النور ٣٩-٤٠)، (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه .. أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها – البقرة ٢٥٨-٢٥٩)، (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور – فاطر ١٩-٢١)، وغير ذلك. ولم يبدأ المثل بذكر أصحاب المثل، بل بدأ بذكر الصيّب من السماء -أي الغيث الشديد- بقصد الإشارة إلى أن المثل مضروب لنفس أصحاب المثل السابق بعد تصوير عماهم عن النور وصمَمهم وبكَمهم، ولكن التصوير هنا لجانبين آخرين من جوانب نفسية المنافقين، وهما جانبا الخوف المستمر من حوادث الدنيا والتذبذب بين الإيمان والكفر، وقد قال تعالى عن خوف المنافقين في مواضع أخرى: (يحسبون كل صيحة عليهم – المنافقون ٤)، (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفْرَقون – التوبة ٥٦)، أي يخافون، وقال عن تذبذبهم وترددهم: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا – النساء ١٤٢-١٤٣)، وقال: (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون – التوبة ٤٥).

والحالة النفسية المصوّرة في هذه الآية الأولى من المثل هي حالة الخوف، كمثل الذين يخافون من الموت حين يرون (صيبًا) أي غيثًا أو مطرًا منهمرًا مصحوبًا بسحاب يخفي نجوم السماء ويصدر منه رعد وبرق، وهم من خوفهم يجعلون أصابعهم في آذانهم وكأن عدم سماع صوت البرق سينجيهم من الإصابة به، ولكن كلمة (صيّب) -ولم يقل الله تعالى على تقدير: ”عاصفة أو إعصار أو صاعقة“ مثلًا- تشير إلى أن السحابة الممطرة المذكورة ليست بالضرورة قاتلة بل هي من النوع ”الصيّب“ الذي يصيب الناس بالخير، ولكن المنافقين يغلب على نفسيتهم التشاؤم والفَرَق من الموت ولا يستبشرون بالغيث ولا يرون الرعد والبرق إلا صواعق ستصيبهم، فيرتعبون من الموت.

وتختم الآية بتقرير للمؤمنين أن الله تعالى محيط بالكافرين على أي حال، وأن فزعهم من كل حادث ورعبهم من الضرر أو الموت لن ينجيهم من مصيرهم المحتوم الصائرون إليه على أي حال. وقد فسر بعض أهل التفسير الصيب بأنه مثل مضروب لدين الإسلام كالزمخشري أو أنه مثل للقرآن نفسه كما ذكر ابن عاشور، وهو تفسير وارد ولو أنه يبدو لي أن المراد من المثل هو تصوير حالة المنافقين النفسية وخوفهم وترددهم وليس بالضرورة تصوير طبيعة الإسلام أو القرآن في المثل المضروب.

أما (يجعلون أصابعهم في آذانهم)، ففي كل ثقافة هناك علم للفراسة استدل به أصحابه على حالات البشر النفسية، سواء الطارئة عليهم أو المتأصلة في سلوكهم، فربطوها بعلامات تظهر على الجسد خاصة تعبيرات الوجه وحركات اليدين، وهو علم عُرف عند العرب واليونان والهنود والصينيين وغيرهم، وبعض هذه الحركات مرتبط بثقافة من الثقافات تصطلح عليها للتعبير عن معاني معينة، أما الإشارات القرآنية للغة الجسد فهي إشارات تدل على سنن الفطرة الإنسانية وليست محدودة بثقافة معينة من إشارات الجسد، وإذا وصلنا كل المواضع التي يصور القرآن الحالات النفسية في حركات وتعبيرات الجسد الإنساني وصلنا إلى أصول لعلم فراسة إنساني على مستوى أكثر تجريدًا من مستوى علم الفراسة في الثقافات المختلفة. من أمثلة ذلك: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت – الأحزاب ١٩)، (فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم – الذاريات ٢٩)، (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا – مريم ٢٩)، (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد – التوبة ١٢٧)، (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها – الكهف ٤٢)، (ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق – المائدة ٨٣)، (ولا أقول للذين تزدري أعينكم – هود ٣١)، (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور – لقمان ١٨)، (ظل وجهه مسودا وهو كظيم – الزخرف ١٧)، (وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك – القصص ٩)، (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم – السجدة ١٢)، (جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم – نوح ٧)، ومنها هنا: (يجعلون أصابعهم في آذانهم)، وغيرها.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة