[email protected] +(00) 123-345-11

الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15)

الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15)

(الله يستهزئ بهم): بدأت هذه الآية الكريمة بلفظ الجلالة (الله) دفاعًا منه سبحانه عن الذين آمنوا، فالأذى والعنت الذي يعاني منه المؤمنون على يد ولسان المنافقين حسابه والرد عليه على الله، حتى أن الله تعالى رد عليهم في هذه الآية بنفس الفعل مقابَلةً لهم وهو فعل الاستهزاء، وشتان بين استهزاء متخفي وذليل من المنافقين، واستهزاء الملك الجبار سبحانه حين يلقى المنافقون جزاء ما اقترفوا بعد أن أمدهم وأملى لهم في الدنيا إلى أن واجهوا المصير المحتوم.

(ويمدهم في طغيانهم يعمهون): القصد من ذكر مدد الله للمنافقين في طغيانهم ورغم طغيانهم هو أن لا يغتر المؤمنون بتقلبهم في البلاد ولا يعجبهم أموالهم ولا أولادهم كما تذكر الآيات الأخرى، بل يدرك المؤمنون أن الابتلاء بالشر والأشرار من سنن الله سبحانه وتعالى، وأنه قد يقتضي أن ينتصر الباطل حينًا من الدهر أو يطغى المنافقون دون حساب كامل لهم في الدنيا إلى أن يعمّروا ويموتوا فيلقوا جزاءهم كاملًا عند الله. وهذا يفسر لماذا عامل النبي ﷺ المنافقين في عصره بظاهر حالهم كما يعامل الجميع، ورفْضه لمن طلب منه أن يقتل بعضهم بعد أن علم نفاقهم ومكرهم به وإخباره بعض خواص الصحابة بأسمائهم دون الإعلان عنها، وذلك حتى يستمر تطبيق أحكام الشريعة الثابتة في محاسبة الناس بظواهر أعمالهم، وتمضي السنة الإلهية في بلاء الناس بهم إلى أن يتوفاهم الله فيحاسبهم.

وحديث الدُّبَيْلة من الأحاديث التي تفسر هذه الآية على هذا المعنى، وهو متعلق بقوله تعالى: (وهموا بما لم ينالوا – التوبة ٧٤) حين حاول بعض المنافقين قتل رسول الله ﷺ بعقبة تبوك، وقد رواها مسلم في صحيحه من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه وقد سُئل: أَرَأَيْتَ قِتالَكُمْ [أي في صف علي بن أبي طالب في صفّين]، أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ؟ فإنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقالَ: ما عَهِدَ إلَيْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ شيئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلى النّاسِ كافَّةً، وَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: (في أُمَّتي اثْنا عَشَرَ مُنافِقًا لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وَلا يَجِدُونَ رِيحَها، حتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ثَمانِيَةٌ منهمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، سِراجٌ مِنَ النّارِ يَظْهَرُ في أَكْتافِهِمْ، حتّى يَنْجُمَ مِن صُدُورِهِمْ)، وَأَرْبَعَةٌ لَمْ أَحْفَظْ ما قالَ شُعْبَةُ فيهم [أي هكذا قال الراوي عن شعبة وهو غُنْدُر].[1] وعلاقة هذه الرواية بحرب صفين لا تظهر من رواية هذا الحديث، فيما يبدو لي أنه على عادة المحدثين في حذف بعض التفاصيل التي تتعلق بالقتال بين الصحابة، وإلا فما علاقة كلام عمار رضي الله عنه عن الدبيلة والمنافقين الذين حاولوا قتل الرسول ﷺ بالسؤال حول مشاركته في حرب صفين تحديدًا؟ [2] وعلى أي حال فحديث (عمار تقتله الفئة الباغية) صح عند الجميع.[3]

والطغيان من صفات المنافقين، وهو تجاوز الحد المقسط إلى الإفراط في الشر، قال تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية – الحاقة ١١)، وقال موسى وهارون عن فرعون: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى – طه ٤٥)، والطغيان متصل بخداع الإنسان لنفسه وتوهمه أنه غني بقوته: (كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى – الفجر ٦-٨)، ومحاربة الطغيان والطاغوت أو على الأقل تجنبه وعدم تولي أهله وعدم التحاكم إليه من الأوامر الإلهية المباشرة: (النساء ٥١، ٦٠، ٧٦، هود ١١٢، طه ٢٤، ٤٣، ٨١، الزمر ١٧، الرحمن ٨، وغيرها)، وتقصد إلى إقامة القسط والشهادة على الناس وحفظ النفوس وغيرها من مقاصد الإسلام الكبرى.

وأما العَمَه فنفهمه على منهجيتنا في تعريف المفاهيم بالتكامل بين أبعادها اللسانية والتصورية كما فصلنا في المقدمات. أما لسانًا فالعمه -من (ع م هـ)- والعمى -من (ع م ا)- يشتركان في حرفي العين والميم، واللذان يدلان بتتابع صوتيهما على الالتحام مع رقة، ثم التئام واستواء،[4] وصوت الألف بعدهما في كلمة عمى يدل على امتداد هذا الالتئام لبؤرتي العينين فلا يرى الإنسان بهما لاحتجاب الرؤية بطبقة كثيفة فوقية، وأما صوت حرف الهاء فيدل على الفراغ الممتد، وهو في كلمة عمَه بعد العين والميم يدل على فقدان العلامات الدالة على الطريق فيؤول العمه إلى عمى البصيرة كما آل العمى إلى عمى البصر. وأما المفاهيم المتعلقة بالعمه في القرآن فيأتي مقترنًا بالطغيان (هذه الآية البقرة ١٥، الأنعام ١١٠، الأعراف ١٨٦، يونس ١١، المؤمنون ٧٥)، وبالسّكرة (الحجر ٧٢)، وبعدم الإيمان بالآخرة (النمل ٤)، وهي كلها في نفس معنى فقدان العلامات الهادية إلى سواء السبيل، ولذكر العمه في القرآن مقاصد، منها تحذير المؤمنين وبيان عاقبته الوخيمة، كما يتصل العمه بسنن الإملاء والابتلاء والجزاء.

[1] مسلم ٢٧٧٩، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢١٣١.

[2] إلا أنني وجدت ابن القيم في زاد المعاد ٣/٤٧٩ يتناول الحديث والقصة بشكل عام بالتفصيل والنقد لروايات السيرة الشائعة الذي لم أره عند غيره، فكتب يقول: ”فجمعَهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، وَهمُ اثنا عشرَ رجلًا، الَّذينَ حاربوا اللَّهَ ورسولَهُ وأرادوا قتلَهُ، فأخبرَهم رسولُ اللَّهِ ﷺ بقولِهم ومنطقِهم وسرِّهِم وعلانيَتِهم، وأطلعَ اللَّهُ سبحانَهُ نبيَّهُ على ذلِكَ بعلمِهِ، وماتَ الاثنا عشرَ منافقينَ محاربينَ للَّهِ ولرسولِهِ، وذلِكَ قولُهُ عزَّ وجلَّ: (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) .. وفي سياق ما ذكره ابن إسحاق [أي قائمة أسمائهم] وهْم من وجوه أحدها أن النبي أسر إلى حذيفة أسماء أولئك المنافقين ولم يطلع عليهم أحدا غيره وبذلك كان يقال لحذيفة إنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ولم يكن عمر ولا غيره يعلم أسماءهم وكان إذا مات الرجل وشكوا فيه يقول عمر انظروا فإن صلى عليه حذيفة وإلا فهو منافق منهم. الثاني ما ذكرناه من قوله فيهم عبدالله بن أبي وهو وهم ظاهر وقد ذكر ابن إسحاق نفسه أن عبدالله بن أبي تخلف في غزوة تبوك. الثالث أن قوله وسعد بن أبي سرح وهم أيضا وخطأ ظاهر فإن سعد بن أبي سرح لم يعرف له إسلام البتة وإنما ابنه عبد الله كان قد أسلم وهاجر ثم ارتد ولحق بمكة حتى استأمن له عثمان النبي عام الفتح فأمنه وأسلم فحسن إسلامه ولم يظهر منه بعد ذلك شيء ينكر عليه ولم يكن مع هؤلاء الاثني عشر البتة فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش. الرابع قوله وكان أبو عامر رأسهم وهذا وهم ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق بل هو نفسه قد ذكر قصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر لما هاجر رسول الله إلى المدينة خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا فلما افتتح رسول الله مكة خرج إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام فمات بها طريدا وحيدا غريبا فأين كان الفاسق وغزوة تبوك ذهابا وإيابا“.

[3] حديث (عمار تقتله الفئة الباغية) رواه البخاري ٤٤٧، ٢٨١٢، وصححه كثْر غيره، ومناسبة روايته فصلها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/٤٢٠، بتخريج شعيب الأرنؤوط ١/٤٢٠ وقال: إسناده صحيح، عن أبي بكر بن حزم: لمّا قُتِلَ عَمّارٌ، دخَلَ عَمرُو بنُ حَزمٍ على عَمرِو بنِ العاصِ، فقال: قُتِلَ عَمّارٌ! وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ: تَقتُلُه الفِئةُ الباغيةُ. فدخَلَ عَمرٌو على مُعاويةَ، فقال: قُتِلَ عَمّارٌ. فقال: قُتِلَ عَمّارٌ، فماذا؟ قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: تَقتُلُه الفِئةُ الباغيةُ. قال: دُحِضتَ في بَولِكَ، أوَنحن قتَلْناه؟ إنَّما قتَلَه علِيٌّ وأصحابُه الذين ألقَوْه بيْنَ رِماحِنا أو بيْنَ سُيوفِنا.

[4] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة، ٢٠١٠، ع م ى، ع م هـ.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة