[email protected] +(00) 123-345-11

صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18)

صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18)

وهذه صفات لأمراض قلبية ثلاثة، إذ أن هناك مستويان من الصَمم والبكَم والعمى في مفاهيم القرآن، وهما مستوى الجسد ومستوى القلب. قال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل – الأعراف ١٧٩)، (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون – يونس ٤٢-٤٣)، (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا – محمد ١٦)، فلأن القلب لا يفقه الحق، فالعين لا تبصره والأذن لا تسمعه واللسان لا ينطق به، حتى ولو بصرت العين أشياء مادية في مجال الرؤية، ولو سمعت الأذن أصواتًا في مجال طاقة الأذن، ولو تكلم اللسان بكلام بشري في ظاهر أصواته. وهكذا تُفهم هذه الآية دون حاجة للتفاسير البعيدة التي أوردها بعض المفسرين، فقد نقل بعضهم مجال الصَمم والبكَم والعمى إلى ما بعد الموت على أساس أنهم في هذه الحياة ليس بهم صَمم ولا بكَم و لا عمى، كما ذكر الإمام الرازي مثلًا أن (صم بكم عمي) تعني الآخرة وليس في الدنيا، ولا حاجة كذلك إلى البحث عن مبتدأ ”محذوف“ لهذه الجملة: ”لأن قوله (كمثل الذي استوقد ناراً) يقتضي أن المستوقد ذو بصر وإلا لمَا تأتى منه الاستيقاد“، كما كتب الإمام ابن عاشور، ولا فهْمها على إنها استعارات مجازية كما ذكر ابن عاشور أيضًا، فعمى البصر وصمم الأذن لا يتعارضان مع عمى البصيرة وصمم القلب عن الفقه.

وتقرير (فهم لا يرجعون) يطرح سؤالًا: هل يمكن أن يتوب المنافقون ويرجعوا عن غيهم؟ البعض يظن أن المنافق لا يمكن إلا أن يموت على النفاق، ولكن صريح القرآن يعارض هذا الرأي في قوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا. إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما – النساء ١٤٥-١٤٦)، وبالتالي فيمكن للمنافق أن يتدارك نفسه ويتوب ويصلح ويعتصم بالله ويخلص، ولا يمكن أن نحكم على منافق بأنه لن يعود إلى الحق البتة سواء في ماضي النفاق أو حاضره، والاستثناء الوحيد من ذلك من ينص الوحي -قرآنًا أو قولًا للنبي ﷺ كما أنبأه الله به- أنهم سيموتون على الكفر، كالمنافقين الذين قال تعالى فيهم: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون. ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون – التوبة ٨٤-٨٥)، ومن هؤلاء المنافقون الاثنا عشر الذين حاولوا قتل الرسول ﷺ يوم عقبة تبوك كما ذكرنا آنفًا، فقال ﷺ فيهم: (هؤلاء  المنافقون إلى يوم القيامة)، وهذا وحي بأنهم: (لا يرجعون).

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة