[email protected] +(00) 123-345-11

وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14)  

وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14)

وهذه علامة واضحة أخرى من علامات النفاق، أن يعلن المنافقون كلامًا أمام الناس، فإذا دخلوا في الاجتماعات المغلقة في خلوة مع المجرمين من أعداء الإسلام الصرحاء قالوا كلامًا مختلفًا واستهزؤوا بالإيمان وأهله، وقد رأينا ذلك من المنافقين في واقعنا في دوائر السياسة والتعليم والثقافة والإعلام.

ومن الخطأ الشائع أن يوصف المجرمون بالوحشية كما هو المصطلح الجاري، ذلك لأن الوحش في الغابات والبراري مؤمن، بل لا يملك أصلًا الاختيار بين الإيمان والكفر، ويعبد الله تعالى بالفطرة: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه – النور ٤١)، والوصف الصحيح للضلوع في الإجرام هو ”الشيطنة“ وليس الوحشية، وتبيّن هذه الآية أن وصف الشياطين لا يقتصر على الجن بل يشمل الإنس كذلك، (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا – الأنعام ١١٣)، وشياطين الإنس والجن هم أنصار المنافقين وندمائهم، وإذا سألوا المنافقين عن أنهم يقرون بالإيمان أمام المؤمنين، يأتي الجواب من المنافقين كما تفضحهم هذه الآية أن تحالفهم هو الأصل وأنهم فقط يستهزئون بالمؤمنين.

والمادة الصوتية للشيطان )ش ط ن( هي بمعنى البُعْد، وتُصرّف في كلام العرب على تشيطن شيطنة، وأختلف مع الإمام ابن عاشور رحمه الله الذي كتب في تفسير الآية يقول: ”هو عندي أنه اسم جامد شابه في حروفه مادة مشتقة ودخل في العربية من لغة سابقة لأن هذا الاسم من الأسماء المتعلقة بالعقائد والأديان“،[1] ولكنّ هذه العقائد والأديان محدثة على الإسلام الذي هو دين آدم عليه السلام، والذي حذره الله تعالى من الشيطان وليس هناك اسم له أو كلمة أخرى تعبر عنه وردت في أي مصدر غير ”شيطان“، وهي كلمة مصرّفة من الجذر العربي الخالص (ش ط ن) ثم انتقلت بنفس المبنى المصرّف إلى اللغات القديمة التي استجدت على البشر لهجات للعربية بعد عصر نوح عليه السلام كاللاتينية (وتُنطق فيها: ساتانوس)، والإنجليزية القديمة أو السكسونية (ساتان)، ثم في لغات متأخرة كالعبرانية (سَطان)، ثم في كل اللغات الأوروبية الحالية (ساتان)، وهذا دليل -كما ذكرنا عن كلمتي آدم وحواء عليهما السلام- أن الكلمة من العربية الأولى التي هي أصل اللغات، وليست من أصل عبري كما ادعى المستشرقون أنها لغة آدم عليه السلام الأصلية، أو أنها ”سامية“ حين اخترعوا مفهومي ”الجنس السامي“ و”اللغات السامية“، وجعلوهما أصلًا للعرب وللغة العربية التي ادعوا أنها ”وُلدت كاملة“ في القرن السادس قبل الميلاد ولم توجد من قبل، كما مر الذكر آنفًا.[2] وملاحظة تاريخية أخرى، أن هذه الآية فيها أول إشارة في كتاب الله لخطر روايات الإسرائيليات التي يشيعها المنافقون على التصور الإسلامي، فقد روى عدد من الرواة عن عدد من الصحابة أن إحدى المجموعات التي قالت هذا القول (إنا معكم إنما نحن مستهزئون) في عهد الرسالة هي مجموعة من اليهود الذين نافقوا فكانوا يلقون المؤمنين بوجه ويلقون قومهم من اليهود المكذبين وحلفاءهم من المشركين بوجه آخر.[3]

ومنافقو اليهود كان لهم مكائد كبيرة على الأمة الإسلامية منذ عصر النبي ﷺ، وورد في القرآن تحذيرات مباشرة منها تأتي في مواضعها، وسوف يأتي في مواضعه كذلك كيف أن بعض هؤلاء اليهود المنافقين تظاهروا بالإسلام ودسّوا على المسلمين روايات تتناقض مع عقائد الإسلام وشرائعه الأصلية، وصل بعضها إلى بعض التفاسير لتزعم انحرافات مشينة في سلوك بعض الأنبياء -حاشاهم عليهم الصلاة والسلام- تأثرت بتحريفات أهل الكتاب المعروفة بـ ”خطايا الأنبياء“، وبعضها دسائس على حديث النبي ﷺ بما ينحرف بمعاني الإسلام عن محكمات الكتاب والسنة الصحيحة، دخلت في الروايات بخلط بعض الرواة لحديث النبي ﷺ بقصص الإسرائيليات وتحريفاتها.

[1] ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير للآية.

[2] راجع العربية القديمة كأصل للكلام وأم للغات الهندو-أوروبية للدكتورة تحية إسماعيل:

  1. A. Ismail, Classic Arabic as the Ancestor of Indo-Europian Languages and Origin of Speech , Cairo: Al-Ahram Press, 1989

وقد ذكرنا سابقًا كلام المستشرق رينان عن العربية كمثال على الأكاذيب المركبة حين كتب إن اللغة العربية لا طفولة لها وظهرت كاملة في القرن السادس قبل الميلاد تحمل كل ميزات ”الجنس السامي“ و”اللغات السامية” على حد قوله، مما يمرر أكذوبة الأعراق واللغات السامية وكأن العربية فرع حديث منها، وهي أكذوبة في غلاف من الكلام المعسول:

Ernest Renan, Histoire générale et système comparé des langues sémitiques, Paris: Imprimerie impériale,1855 (google books).

[3] راجع الروايات في تفسير الطبري لهذه الآية وغيره.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة