إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26)
إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26)
وهذا هو الموضع التالي لضرب المثل في ترتيب المصحف بعد الموضع الأول الذي قصد تصوير الحالة النفسية المضطربة للمنافقين، وهذا الموضع يقصد إلى بيان بعض مقاصد الأمثال بشكل عام: أنها هدى للمؤمنين الذين يصغون إلى الأمثال المضروبة في كلام الله للتعلم من الحق، وأنها مصدر فتنة للفاسقين المنحرفين الذين يستكبرون عن الإصغاء للأمثال فلا يزدادون إلا ضلالًا، وقد يكون المقصود بذكر التمثيل بالبعوضة هنا الإشارة إلى ذلك المثل من سورة الحج: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب – الحج ٧٣)، أو الإشارة إلى مثل العنكبوت في سورة العنكبوت، أو أن المقصود هو المثلين السابقين في نفس السورة عن المنافقين، وكلها احتمالات واردة ولا قطع فيها.
وتعبير (لا يستحيي) عجيب، ولكنه -ككل الأوصاف التي تتحدث عن الله تعالى- هي على قدره هو سبحانه وليس كما نتصور انطباق نفس الأوصاف علينا أو على أي من المخلوقات، لأنه عز وجل: (ليس كمثله شيء – الشورى ١١)، وبالتالي فتأويل أن الله تعالى يقصد بـ (يستحيي) أنه يستنكف أو يمتنع أو أنه على سبيل المحاكاة اللغوية حين قال بعض المشركين: ”أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلًا بالذباب والعنكبوت“، إلى آخره، تأويلات قد تصح على طريقة الذين يتأولون ما ينسب إلى الله تعالى من صفات يمكن أن تنسب إلى البشر.
ثم إن هناك طريقة من يرفض مدرسة التأويل ويتحامل على المتأولين بتهمة التعطيل أي تعطيل صفات نسبها الله تعالى لنفسه، وقد يتحامل المتأولون عليهم بدورهم بتهمة التجسيم أي تشبيه الله تعالى بأجسام خلقه، والحق أن المتأولين ليس عليهم لوم ما داموا لا يغلون ويتجاوزون فيقصدون أن ينفوا عن الله ما أثبته عن نفسه سبحانه، ولا يفعل ذلك مؤمن على أي حال، والذين يتجنبون التأويل ويثبتون الصفات كما هي ليس عليهم لوم كذلك، ما داموا لا يغلون ويتجاوزون فيقصدون أن استحياء الله أو استوائه أو غضبه أو صنعه أو يده أو عينه أو غير ذلك من الصفات المنصوص عليها هي كصفات البشر، ولا يقول بذلك مؤمن كذلك. وبالتالي فالمسلك الكلامي الذي نراه صائبًا هو تصويب المسلكَين دون حرج ولا غلو، ولا ينبغي أن نتحرج من أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه وكما وصف نفسه سبحانه، مع علمنا ونيتنا أنه سبحانه منزه عن المثل والشبيه في تلك الأوصاف جميعًا.
والتمثيل بالبعوضة فهمه أهل التأويل في القرون الماضية على أنه يعني أن البعوضة ”تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت“، كمثل حال الذين يمتلؤون من الدنيا فيهلكهم الله تعالى، ثم يمتد المثل من ”أقل وأحقر الخلق“ -حسب ما قالوا في بعض التفاسير- إلى ما هو فوق البعوضة في الحجم والقدر من مخلوقات أخرى، وذلك تأويلهم على حد علومهم في ذلك الزمن.
ولكن البحث المعاصر في عالم البعوض -ونحن الآن في المستوى الثاني من التأويل-[1] يكشف أنها ليست أقل ولا أحقر الخلق، وأن ضرب المثل بها يعود إلى أنها من أكثر مخلوقات الله تركيبًا وخطرًا وعجبًا بالنسبة لفهمنا كبشر على أي حال، وذلك في عدد من الأبعاد، منها الخلية التي تشكل البناء الأساس لجسمها، وفيها من التعقيد والتركيب إلى مستوى ما دون الذرة بما لا يوجد في أكبر المصانع المعاصرة، ومنها أجنحتها التي ترفرف ألف مرة في الثانية لتطير بها، وفيها من التحكم التام بالزوايا والسرعة ما لا تقترب منه أي تقنية يفهمها الإنسان أو يستطيع محاكاتها، وعيناها التي تتشكل كل عين فيها من مئات العدسات السباعية الزوايا، والتي تسمح بأن ترى البعوضة كل الاتجاهات في آن واحد، وتصميم أقدامها الشديدة التركيب التي تمكنها من الوقوف على أي سطح، وقرونها شديدة الحساسية التي تحس بحرارة الفريسة في الظلام على بعد أمتار كثيرة. ثم إن إناث البعوض كائن خطر، إذ أن لسعتها تنقل عددًا من الأمراض إلى مجرى الدم مما جعلها إحصائيًا أكثر الكائنات الحية قتلًا للإنسان في عالمنا خلال العقود الماضية، وتمتلك البعوضة ست إبر تفتح بها جلد الإنسان أو الحيوان بشكل مركب يسمح لها بمص الدم بعد تحديد مكان العرق مع حقن العرق بمادة تمنع تجلط الدم فيه في نفس الوقت، ولاحظ أن الآية تتحدث بدقة عن إناث البعوض والتي تكمن فيها الخطورة على حياة الإنسان والحيوان، أما ذكور البعوض فيعيشون على مص رحيق الأزهار وليس منهم خطر.
ثم (ما فوقها) قد يعني ما فوق حجمها من كائنات، وقد يعني أيضًا الكائنات الدقيقة التي اكتشف الإنسان أنها تعيش على ظهر البعوضة نفسها، وهي ستة أنواع مختلفة من العُتّة الدقيقة التي تشكل عالمًا معقدًا في حد ذاته لا تصل الملاحظة العلمية إلى منتهاه.[2] والله أعلم بما سيتبين من مستويات الفهم لآيات الله تعالى في ضرب المثل بـ (بعوضة فما فوقها).
[1] راجع مناقشة المستويات الثلاثة للتحليل العلمي عند: (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء – البقرة ٢٢).
[2] راجع أبحاث ووثائقيات مختلفة حول الموضوع، ومنها:
- Atwa, A. Bilgrami, A. Al-Saggaf, Host–parasite interaction and impact of mite infection on mosquito population, Revista Brasileira de Entomologia, 61 (2017) 101–106.
KQED, Mosquitoes Use 6 Needles To Suck Your Blood, npr.org, June 7, 2016.
RTI, 10 Facts about Mosquitoes: the World’s Deadliest Animal, rti.org, August 19, 2020.
Lorem Ipsum