الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27)
الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27)
ختمت الآية السابقة بذكر فئة الفاسقين، والذين عرّفهم أهل التفسير بأنهم: الخارجون عن منهج الله سبحانه وتعالى، إشارة إلى أصل الكلمة اللغوي، فالمعنى المبدئي للفسق تدل عليه الإيحاءات الصوتية (ف س ق) لحروف الفاء والسين والقاف على ترتيبها حيث تعبر الفاء عن نفي أو إبعاد بقوة، والسين عن نفاذ بدقة وحدة، والقاف عن غلظ أو تعقد في الجوف، ويعبر التركيب عن حدة في العمق تنفذ فتشق الغلاف كما تفعل الفواسق،[1] ولكننا على منهجنا في تعريف الفئة حسب تعلقها بالمفهوم الأصلي وحسب مقاصد تصنيفها وعلاقاتها الشبكية، والمفهوم الأصلي هنا هو الفسق وهو مفهوم مركب.
وإننا إذا عدنا إلى القرآن -بما فيه هذه الآية- لرسم ملامح المفهوم من شبكة المعاني المتعلقة به، لوجدنا أن الفاسقين فئة مركزية في التصور الإسلامي ووجدنا تفصيلًا لصفاتهم في عشرات المواضع من كتاب الله تعالى، منها صفتهم في هذا الموضع بعدم الاعتبار بالأمثال والآيات (البقرة ٢٧، ٩٩، الأنعام ٤٨)، ومنها الظلم للناس (البقرة ٥٩، ٢٨٢، الأعراف ١٦٥، القصص ٣٢)، وتبديل كلام الله وأوامره وتحريفها (البقرة ٥٩، المائدة ٤٧، الكهف ٥٠)، ونقض الميثاق والعهد بعد الإقرار به (آل عمران ٨٢، الأعراف ١٠٢، الأعراف ١٤٥، التوبة ٨، ٨٤، النور ٥٥، السجدة ٢٠، الحديد ١٦، ٢٧، الحشر ١٩، الصف ٥)، واتباع خرافات الكهانة والرجم بالغيب (المائدة ٣)، والمكوث عن قتال الظالمين (المائدة ٢٥، ٢٦، التوبة ٥٣)، واتخاذ أولياء من دون الله تعالى (المائدة ٨١)، وشهادة الزور والافتراء على الأبرياء (المائدة ١٠٨، النور ٤، الحجرات ٦)، وأكل الحرام (المائدة ٣، الأنعام ١٢١، ١٤٥، الأعراف ١٦٣)، والصد عن سبيل الله (التوبة ٩)، والنفاق نفسه كنوع من الفسق (التوبة ٦٧، ٨٠، ٨٤، ٩٦، المنافقون ٦)، واتخاذ الترف دينًا وديدنًا (الإسراء ١٦)، وارتكاب الفواحش (الأنبياء ٧٤، العنكبوت ٣٤)، والاستكبار على الناس والسخرية منهم (الأحقاف ٢٠، الحجرات ١١)، ومناصرة الطواغيت: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين – الزخرف ٥٤)، فهم إذن الفئة التي تخرج على الحق بعد معرفته وتنقض العرى المختلفة بعد توثيقها، (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض)، كما تقول الآية الكريمة هنا. ووصف وتصنيف هذه الفئة في كتاب الله يقصد إلى بيان ودعم مقصد الإصلاح الذي يحاربونه، والكشف والنهي عن الإفساد الذي يقومون به. ولذلك، فتصنيف فئة ”الفاسقين“ بهذه الصفات جميعًا تصنيف مهم ويمثل جزءًا من تصورات المسلم، وهم غير فئة الكفار أي الجاحدين تمامًا لرسالات الله، وغير فئة العصاة الذين يرتكبون بعض المعاصي، بل هم بين هاتين الفئتين في دركات الانحراف، رغم ما بينهم وبين الفئتين من تقاطعات كما تدل الآيات.
والتعريف القرآني لمفهوم الفسق وفئة الفاسقين غائب أو محرّف في الثقافات الإسلامية المعاصرة ويحتاجان إلى إحياء وتصحيح، وأصل هذا الانحراف هو الانحراف التاريخي في تصوير مفهوم الفسوق أو الخروج عن الحق في الثقافة الإسلامية العامة، فعلى الرغم من شيوع الفئة في ألفاظ القرآن بالمعاني التي ذكرناها أعلاه، إلا أن الكثرة الكاثرة من الروايات عن الفسق ركزت على ”الفواسق“ من الدواب التي يجوز قتلها في الحرم نظرًا لما يصيب الناس من ضررها كالحية والعقرب والفأرة والغراب، إلى آخره،[2] وهذه الروايات رغم صحة نسبتها للنبي ﷺ، إلا أنها غلبت على تصور المفهوم وكأنه ليس هناك ”فواسق“ إلا تلك الدواب.
ومفهوم الإفساد في الأرض يتعلق بقطع ما أمر الله به أن يوصل حسب مفهوم الآية الكريمة، وهو أيضًا من المفاهيم المركزية، وهو عكس الإصلاح كمقصد ومفهوم مركزي يقوم عليه: (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل – الرعد ٢١)، والإفساد أو الإصلاح في الأرض بقطع أو وصل (ما أمر الله به أن يوصل) يشمل قطع أو وصل الأرحام: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم – محمد ٢٢)، وفي الحديث: (الرحمُ حَجْنَةٌ متمسكةٌ بالعرشِ تكلمُ بلسانٍ ذلقٍ: اللهمَّ صِلْ من وصلني واقطعْ من قطعني فيقولُ اللهُ تبارك وتعالى: أنا الرحمنُ الرحيمُ وإني شققتُ الرحمَ من اسمي فمن وصلها وصلتُه ومن بتكَها بتكتُه)،[3] أي من قطعها قطعته.
ولكن القطع والوصل لا يقتصران على الرحم رغم أهميتها، بل التواصل الذي أمر الله تعالى به على قسمين: القسم الأول هو الصلة بالله تعالى، والتي تتجلى في أعلى صورها بالصلاة: (واسجد واقترب – العلق ١٩)، والصلاة مشتقة من نفس الأصل اللغوي للصلة، وغيرها من أسباب ووسائل الصلة بالله تعالى التي يسلكها المؤمن، ومنها الصلاة على الرسول ﷺ، وهي متصلة بصلاة الله تعالى عليه: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما – الأحزاب ٥٦)، ولذلك قال ﷺ: (مَن صلّى عليَّ صلاةً صلّى اللهُ عليه بها عَشْرًا).[4]
وأما القسم الثاني فهو الوصل بين كل ما من شأنه أن يكون كُلًا أو بنيانًا واحدًا كما اقتضت السنن الإلهية في تكوينه الفطري، كحياة الإنسان: (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين – المائدة ٦٤)، (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين – القصص ٤)، وحفظ أشكال الحياة عمومًا: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد – البقرة ٢٠٥)، ووحدة أمة المؤمنين: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير – الأنفال ٧٣)، ومن حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: (مَثلُ المؤمنينَ في تَوادِّهم، وتَعاطُفِهم، وتَراحُمِهم، مَثلُ الجَسدِ، إذا اشتَكى منه عُضوٌ تَداعى سائرُ الجَسدِ بالسَّهرِ والحُمّى).[5]
ومن وصل ما أمر الله به أن يوصل أن يراعى اليتيم ويسلم من الظلم والتعدي على حقوقه: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح – البقرة ٢٢٠)، والدعوة إلى سبيل الله وتؤدي إلى وصل الناس بخالقهم سبحانه: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين – الأعراف ٨٦)، ومن وصل ما أمر الله به أن توصّل الأمانات إلى أهلها دون انتقاص من الحقوق: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين – هود ٨٥)، وغير ذلك من أشكال الإصلاح وعكسه من أشكال الإفساد في الأرض بقطع ما أمر الله به أن يوصل كما يفعل الفاسقون، مما يؤدي إلى الخسران في الدنيا والآخرة، ولذلك تختم الآية بهذا الحكم عليهم: (أولئك هم الخاسرون)، مع الإشارة للبعيد بـ(أولئك)، كأنها تقول: ”بُعدًا لهم“.
[1] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة، ٢٠١٠، ف س ق.
[2] راجع مثلًا: البخاري ٣٣١٤، ومسلم ١١٩٨، وابن ماجة ٣٢٤٩، وأحمد ٢٥٧٩٤، وسنن البيهقي ١٩٣٦٥، والبزار ٤٨٨١، وأبا يعلى ٢٤٢٨، والترمذي ٨٣٧، والنسائي ٢٨٨١، وابن حبان ٥٦٣٣، وغير تلك الروايات.
[3] من حديث أنس بن مالك، أخرجه البزار كما في كشف الأستار ١٨٩٥، وله شواهد كثيرة.
[4] من حديث أنس بن مالك، أخرجه أخرجه النسائي ١٢٩٧، ابن حبان ٩٠٤، وغيرهما.
[5] قال الأرنؤوط في تخريج المسند ١٨٣٨٠: إسناده صحيح على شرط الشيخين، البخاري ٦٠١١، مسلم ٢٥٨٦.
Lorem Ipsum