وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30)
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30)
وها هي أول قصة من القصص القرآني وأول حوار من حواراته، وللقصص القرآني مقاصد متنوعة تأتي في مواضعها، إلا أننا نشير هنا إلى مجملها في إطار عناصر التصور المنهجية السبعة التي طرحناها في المقدمات، فقد وصلنا مع دورات التدبر إلى أن القصص تستهدف منهجيًا: (١) المقاصد: بيان وتحديد مقاصد معينة لكي يتبعها الناس كغايات في حياتهم، كعبادة الله تعالى، والتقوى، والشهادة لله، والتعاون على الخير، وإصلاح الأرض، وإقامة القسط، وغيرها من المقاصد، وقد ضُربت أمثلة لكيفية تحقيق تلك المقاصد في سياق كل قصة. (٢) المفاهيم: وتقصد القصص كذلك إلى بيان وتصحيح مفاهيم معينة -إيجابية وسلبية- بتصويرها متجلية في شخصيات واقعية، كالإيمان، والكفر، والنفاق، والحكم، والأمر، والأمة، والرزق، والشورى، والطاعة، والمعصية، والشهوة، والترف، والعفة، وغيرها من المفاهيم التي تمثلها القصص في وقائعها وتقصد منهجيا إلى تصحيح تصوراتنا عنها. (٣) الفئات: وتقصد القصص إلى بيان وتصنيف فئات معينة من الناس وترسم ملامح شخصياتهم وصفاتهم وعلاقاتهم، كالمؤمنين، والكفار، والمنافقين، والمترفين، والشهداء، والصالحين، والأنبياء، والصادقين، والكاذبين، وكذلك سرد قصص بعض الأقوام المذكورين بأسمائهم نظرًا لأهميتهم التاريخية، وكيف يفكرون ويتفاعلون ويتصرفون. (٤) وتقصد القصص إلى بيان والحض على مراعاة سنن الله تعالى في فطرة الناس وفي حركة المجتمعات ومسار التاريخ، كسنن الابتلاء، وسنن النصر، وسنن الهزيمة، وسنن التغيير، وسنن الرزق، وسنن التنوع، وسنن الإيمان والكفر، وغيرها من السنن التي تصورها القصص كإطار مطرد لحركة الأحداث بناء على تصرفات الأفراد والمجتمعات. (٥) وتقصد القصص إلى بيان والتاسي أو التبرؤ من مجموعة قيم إيجابية وسلبية متمثلة في واقع أبطال القصة، كالعفة والتبرج، والتواضع والتكبر، والصدق والكذب، والنفع والضرر، والجمال والقبح، والقسط والطغيان، والكرم والبخل، وغيرها من الأخلاق الحسنة والسيئة، والصور الحسنة والقبيحة، والأفعال النافعة والضارة. (٦) وتقصد القصص إلى بيان وإقامة مجموعة حجج عقلية هي براهين على الحق ومعالم في طريق الوصول إليها، كالغائية في ارتباط الأفعال بالغايات، والسببية في ترتب النتائج على الأسباب، والكلية في تكامل الأجزاء في كليات، وتعدد أبعاد الأحداث والشخصيات، كما تقصد القصص في باب الحجج إلى بيان فساد بعض المغالطات المنطقية التي يطرحها المجادلون بالباطل والطواغيت ليحرفوا الناس عن الحق، كمغالطات السببية الكاذبة، والطعن الشخصي، وشهرة الفكرة، والاستقواء بالسلطة على أهل الحق، واستخفاف الناس، وغيرها من المغالطات. (٧) وأخيرًا، يقصد القصص القرآني إلى بيان والعمل بمجموعة أوامر ونواهي إلهية متمثلة في تصرفات الناس العملية فعلاً وتركًا، كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، إلى آخره، وكذلك تجنب معاصي مختلفة مع بيان النهي عنها في إطار القصص، كالقتل والزنا وعقوق الوالدين والكذب والسحر، إلى آخره.
وهكذا بتكامل كل المقاصد السابقة يرسم القصص القرآني تصور خاص للكون تشكل ملامحه تلك العناصر السبعة التي ذكرناها، والتي سوف نشير إلى مفرداتها في مواضعها، ومن خلال تلك العناصر كلها تتحقق المقاصد الكلية من القصص القرآني، كالعبرة: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب – يوسف ١١١)، والتفكر: (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون – الأعراف ١٧٦)، وضرب الأمثال للاتباع: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون – التحريم ١١)، وغيرها من الغايات.
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة: (إذ) سوف ترد مئات المرات في كتاب الله تعالى، وهي ليست حرفًا ”زائدًا“ للتزيين اللفظي كما قال البعض، فقد ذكرنا سابقًا أنه ليس في القرآن كلام زائد بلا مقصود، وباستقراء مواضعها في كتاب الله نجد أن (إذ) دائمًا ما تقصد إلى التنبيه على ظرفية زمانية أو مكانية معينة لها أهميتها حسب السياق، وهي إذن تلفت انتباه التالي لكتاب الله في افتتاح القصة أو بداية أحداثها المحورية كما في: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)، والتعبير بـ (ربك) يقصد إلى تودد جميل للذي نزل عليه هذا القرآن من ربه: رسول الله محمد ﷺ. ويخبر الله تعالى ملائكته أنه (جاعل في الأرض)، مما يحتمل أن الجنة التي سكنها آدم عليه السلام كانت في الأرض أو أنه تعالى كان يعلم أن آدم سيهبط إلى الأرض بعد حين، مما سنناقشه مع الآيات التالية وندلي فيه برأي.
وأما (خليفة)، فقد عدّ كثير من أهل العلم ”الاستخلاف“ مقصدًا للحياة الإنسانية على الأرض، وهو ما تدل عليه الآية مباشرة وتدل عليه آيات أخرى بتدبرها بناء على مفهوم الاستخلاف، إلا أن هذا المفهوم يحتاج إلى تحرير لأن البعض قد توهم أن الخلافة المذكورة هي بمعنى أن الإنسان ”خليفة عن الله في الأرض“، واختلف أهل التأويل في لقب ”خليفة الله“ فحرّم التلفظ بها بعضهم بناء على أن الخلافة لا تصح إلا عند غياب المستخلِف والله تعالى منزه عن الغياب سبحانه، وفصّل الشيخ حبنكة الميداني هذا الرأي في كتاب سماه: ”لا يصح أن يقال الإنسان خليفة لله في أرضه فهي مقولة باطلة“، وانتقد ذهاب الشيخ رشيد رضا والأستاذ المودودي والأستاذ سيد قطب للقول بها، وفند آراء الذين ادعوا أن الإنسان ”مفوض“ عن الله بأي شكل من أشكال التفويض، وعلق على هذه الآية بقوله: ”إنه لأمر مستنكر جدًا أن يقول لهم: سأجعل خليفة عني فيقولوا له: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟! أليس هذا الربط ربطًا مستنكرًا ومرفوضًا بالبداهة؟! هل من صفات المستخلِف مثل هذا؟!“.[1]
وكتب ابن تيمية يقول: ”والخليفة لا يكون خليفة إلا مع مغيب المستخلِف .. وكذلك قوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً): أي عن خلق كان في الأرض قبل ذلك كما ذكر المفسرون وغيرهم، وأما ما يظنُّه طائفةٌ من الاتحادية وغيرهم أن الإنسان خليفة الله فهذا جهلٌ وضلالٌ“،[2] وعلق ابن كثير في تفسيره: ”خليفة: أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل .. وليس المراد ها هنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط“. وقال آخرون إن الخلافة يمكن أن تكون بمعنى النيابة حتى ولو كان المستخلِف حاضرًا، كالكفوي الذي قال: ”الخلافة: النيابة عن الغير؛ إما لغيبة المنوب عنه وإما لموته وإما لعجزه، وإما لتشريف المستخلف وعلى هذا استخلف الله عباده في الأرض“،[3] ووافقه البغوي في تفسيره عند هذه الآية إلا أنه قال: ”ولا يسمى أحدٌ خليفة الله بعد آدم وداود عليهما السلام“.
ولكن إشكالية دعوى ”الخلافة عن الله“ في نظري ليست في اعتقاد غياب الله سبحانه وتعالى، فلا يقول بذلك مسلم، بل في خطأ ادعاء ”النيابة“ أو ”التفويض“ عنه، والذي يبدو لي أن أصله كان في دعاوى بعض الحكام في تاريخنا من باب تحقيق شرعية سياسية على حساب البسطاء، فادّعوا استمداد سلطانهم من سلطان الله بصفتهم ”خلفاء الله“ بدلًا من المهمة الأصلية للحكام في التصور الإسلامي السليم أنهم ”عمال عند الأمة“،[4] وقد توهم هذا المعنى بعض الذين فسروا الآية، كالطبري الذي كتب يقول: ”إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي“، وهذا لا يصح لأن الحاكم في الإسلام ليس له ”سلطة دينية“ بهذا المعنى اللاهوتي المبتدع، بل هو خليفة -في المفهوم الأصلي- بمعنى أنه أمين على تحقيق الحكم بما أنزل الله، وتابع لرسول الله ﷺ ومن اتبعوه بإحسان، ولهذا لما قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن ولي الخلافة: يا خليفة الله، قال: لست خليفة الله بل خليفة رسول الله وحسبي ذلك. ولكننا نجد في المقابل ما رواه البلاذري في أنساب الأشراف عن يزيد بن عياض، قال: قال معاوية بن أبي سفيان: ”الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبفضل مني“،[5] وهو إذن أول من ادعى من الخلفاء هذا اللقب: ”خلافة الله“.
والاستخلاف -بمعنى التتابع- مقصود مِن جعْل الله للإنسان على الأرض، لأنه يحقق سنة إلهية من سنن الله تعالى المتعلقة بقيوميته ودوامه وقدرته سبحانه، وهي أنه يداول الأيام ويهلك القرى: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها – الإسراء ٥٩)، وأنه من يعمّر في الأرض -من كل أنواع الخلق- ينتكس خلقه: (ومن نعمره ننكسه في الخلق – يس ٦٨)، فإذا انتكست مخلوقات أو هلكت بطامة مفاجئة أو تدريجية فإن من سنن الله تعالى أن يستخلف بعدهم خلقًا غيرهم: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز – إبراهيم ١٩-٢٠)، (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا – النساء ١٣٣)، ومن هنا أتى الإنسان كخليفة يخلف في الترتيب آخرين من المخلوقات التي أقامت حضارات أولى قبل زمن الإنسان وبادت، ولم يبق منهم إلا آثار نكتشفها ونعلم بيقين أنها أقدم من الإنسان على الأرض.
والخلافة بمعني تتابع الوجود على الأرض لا يعني عدم تحمل الإنسان كخليفة لمسؤوليات معينة، وهو ليس تحملًا لنيابة ولا تفويض عن الله -تعالى الله عن ذلك- بل من باب القيام بالأمانات المتعلقة بتسخير الأرض له، لأن تسخير الأرض مرتبط بمقصد الإصلاح فيها ومحاربة الإفساد، وهذا مقتضى عبادة الله التي هي المقصد من خلق الإنسان أصلًا، وبهذا التركيب نفهم معنى الاستخلاف. ولذلك حين تعجب الملائكة ولم يعلموا الحكمة من جعل هذا الخليفة في الأرض وتساءلوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، قال تعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون)، وهو بهذا يشير إلى علمه سبحانه بالحكمة المقصودة من جعل الإنسان خليفة في الأرض، ألا وهي الابتلاء، إما أن يحسن فيصلح في الأرض أو يسيئ فيفسد فيها.
والقرآن ينص على أن مقصود استخلاف الإنسان في الأرض هو الابتلاء: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم – الأنعام ١٦٥)، (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا – هود ٧)، (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا – الملك ٢). ولكن الملائكة علموا أن الذي سيعيش في هذا الكوكب سيفسد فيه ويقتل، بل وعبروا عن القتل بسفك الدماء إشارة إلى علمهم بسنن الله سبحانه في خلق الكائنات المستخلَفة في بيئة الأرض التي أتت قبل بني آدم: أن تكون قادرة على الإفساد وأن تكون لها أجساد وعروق ودماء تجري فيها وتتوقف على جريانها حياتهم، ولكن علم الله أن استخلاف بني آدم سيكون ليقابل بعضهم هذا الإفساد بإحسان العمل والإصلاح وإقامة القسط وعبادة الله، وتلك هي الغايات الأسمى لوجود الإنسان على الأرض.
[1] عبد الرحمن الميداني، لا يصح أن يقال الإنسان خليفة لله في أرضه فهي مقولة باطلة، المدينة: إحياء التراث العربي، ١٤١١.
[2] راجع منهاج السنة النبوية لابن تيمية، مكتبة الرياض الحديثة، ٤/ ٩٥-٩٤.
[3] راجع: أيوب الكفوي، الكليات في معجم المصطلحات والفروق اللغوية، بيروت: مؤسسة الرسالة.
[4] راجع: البلاذري في أنساب الأشراف ٥/٢٧ عن يزيد بن عياض.
[5] الأحكام السلطانية لابي يعلى ٢٧.
Lorem Ipsum