[email protected] +(00) 123-345-11

يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21)

يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21)

هذا أول نداء في كتاب الله تعالى وهو نداء للناس كافة بمقصد الرسالة بل مقصد خلق الإنسان أصلًا وهو عبادة الله تعالى، وعبادة الله ليست فرضًا على المسلمين فحسب بل خوطب بها كل (الناس) -إنسًا وجنًا مسلمين وغير مسلمين-، وفي هذا دليل مبكر في أوائل القرآن على أن الكفار مخاطبون ومكلفون بالإسلام، والشريعة جزء منه على أي حال، ولا مجال لإنكار ذلك في أصل المخاطبة. أما قضايا التشريع المدني في دول من الدول فهي تدور مع الظروف والمصالح العامة وهي غير أصل الخطاب.

وأسلوب النداء من الله تعالى له مقاصد متنوعة في لسان القرآن العربي إضافة إلى المقصد اللغوي العام في التنبيه ولفت الانتباه، منها التكريم بذكر لقب شريف، نحو: (يا أيها النبي – الأنفال ٦٤، ٦٥، ٧٠، التوبة ٧٣، الأحزاب ١، ٢٨، ٤٥، ٥٠، وغيرها)، و (يا أيها الرسول – المائدة ٤١، ٦٧)، أو التشريف بذكر هيئة خاصة: (يا أيها المزمل – المزمل ١)، (يا أيها المدثر – المدثر ١)، أو التنبيه على مكانة خاصة لها مسؤوليات خاصة: (يا نساء النبي – الأحزاب ٣٠)، (يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل – المائدة ٦٨)، أو التكريم من الله تعالى بذكر الاسم: (يا موسى أقبل ولا تخف – القصص ٣١)، (يا نوح اهبط بسلام – هود ٤٨)، ومنها نداء للنبي ﷺ بقصد الأمر لأمته باقتفاء سنته، نحو: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن – الطلاق ١)، (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك – التحريم ١)، (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم – التحريم ٩)، ومن مقاصد النداء الإلهي النذارة بسوء المصير في الآخرة، نحو: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم – التحريم ٧)، و(يا حسرة على العباد – يس ٣٠)، وكأن الحسرة مُنادى، ومثلها: (يا أسفى على يوسف – يوسف ٤٨)، أو حسن المصير في الآخرة: (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون – الزخرف ٦٨)، و (يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية – الفجر ٢٨-٢٧). ومنها نداء بلقب فيه نسبة لله تعالى توددًا ورفعًا للمكانة: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون – العنكبوت ٥٦)، (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا – الزمر ٥٣)، ونداءات (يا بني آدم) تقصد إلى لفت الناس إلى أصلهم الواحد وإلى مفهوم الإنسان وبيان سنن الفطرة الإنسانية، نحو (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا – الأعراف ٢٦)، (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة – الأعراف ٢٧). أما نداء بني إسرائيل، فسيأتي تاليًا ومتكررًا في هذه السورة وغيرها وله مقاصد متنوعة تذكيرًا بالنعم وتحذيرًا من عواقب الكفر، ومن النداء الإلهي ما يقصد إلى بيان وحي الله إلى مخلوقاته، نحو: (يا جبال أوبي معه – سبأ ١٠)، (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم – الصافات ٦٨). ومنها نداء (يا أيها الذين آمنوا)، وهو الأكثر ورودًا في كتاب الله إحصائيًا ويأتي معه تكليفات وتوجيهات متنوعة،[1] وهناك نداءات أخرى في كتاب الله بين المخلوقات، لمقاصد متنوعة تأتي في مواضعها.

أما الأمر بالعبادة، فقد مرّ أن العبادة في تصور الإسلام الأصلي مفهوم شامل، وأن الأنبياء حين نادوا أقوامهم: (يا قوم اعبدوا الله – الأعراف ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥، وغيرها) لم يقصدوا مجرد الاقتناع الفلسفي أو أداء الشعائر، بل قصدوا العبادة بمعنى إقامة القسط وإصلاح الأرض وتزكية النفوس وصلة الأرحام وتمثّل الأخلاق وتكريم الإنسان، ونبذ الاستكبار والظلم والطاغوت والقتل والبطش والإسراف والفواحش وأكل الربا والإفساد في الأرض إلى آخره، أي (اعبدوا الله) بمنهج حياة اقتصادي وسياسي واجتماعي وبيئي وعلمي وقانوني وإداري وفني وتقني وعسكري، وهذا هو مقصود النداء الكريم في هذه الآية: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم)، أي اتبعوا الوسائل التي تؤدي لتحقيق هذا المقصد في واقع حياتكم.

ووصْف الله تعالى نفسه بـ (الذي خلقكم) هو الدليل الأول على وجود الله سبحانه وتعالى، ألا وهو وجودنا نحن المخلوقين، أي ما أصطلح على تسميته بدليل الخَلْق، وهذه حجة فطرية لا تحتاج عند أصحاب القلوب السليمة إلى برهان ”منطقي“، كما حكى الجاحظ عبارة الأعرابي المشهورة: (البَعرةُ تدل على البعير، والأثَر يدل على المسير، ليل داجٍ، ونهار ساجٍ، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير)،[2] ولكننا نرى من يجادل في حجة الخلْق الفطرية من الملحدين في عصرنا باستخدام حجج فارغة يدعون أنها منطقية، بل يدرّس الإيمان بالله تعالى في نظم التعليم العلمانية -بما فيها بلاد الأغلبيات المسلمة!- على أنه ”مذهب“ من المذاهب قال به ”الخَلْقيون“ (باليونانية: برو كرياتورايا)، أي مذهب الذين يؤمنون بالخلق من العدم، والذي يجعلونه زورًا في مقابل مذهب الداروينيين أي الذي يؤمنون بنظرية داروين في التطور،[3] رغم أن التطور لا يفسر أصل الخلْق ولم يقل بهذا داروين نفسه!

وإذا كانت نظرية التطور معناها تغير أجيال الخلْق تدريجيًا عبر العصور بتأثير التفاعل مع البيئة، فالتطور بهذا المعنى العام لا يعارضه الوحي وتؤيده الملاحظة الإنسانية، والقرآن يقرر: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا – يونس ١٩)، أي اختلفت مع الأجيال أعمارهم وألوانهم وألسنتهم وتفاصيل خلْقهم، ثم تقرر الملاحظة الإنسانية أن الإنسان حول خط الاستواء – مثلًا – يتطور خلْقه جيلًا بعد جيل في نسق يختلف عن الإنسان في شمال أو جنوب الأرض، وأن الجسد الإنساني يتأثر بالبيئة و بما يرث من صفات وخبرات من الأب والأم جيلًا بعد جيل، وقد يتفق الباحثون أو يختلفون في نظام وتفاصيل هذا التطور، ولكن الادعاء بأن التطور معناه أن ”الإنسان أصله قرد“ كما يقولون هو مجرد إشاعة لا دليل عليها، بل الأدلة العلمية أصبحت متكاثرة على استحالة الوصول إلى التركيب المعقد لعضو واحد من أعضاء الكائنات الحية بمنطق التطور المجرد،[4] وعلى أي حال فالنظرية بكل فرضياتها المقبولة منها والمرفوضة لا تتعلق بأصل الخلْق ولا تنفي الخالق المدبر سبحانه. ولكن الذين ينكرون الخالق – تعالى – يسوقون حججًا لا تعدو أن تكون مغالطات لا ترقى لمعايير سلامة المنطق، أي دلالة العلامات على الحقائق كما مر في المقدمات، ونسوق منها المغالطات التالية باقتضاب حسب ما يتسع المقام:

(١) من مغالطات المعارضين للخلْق التعميم في صور كثيرة لا يصح فيها التعميم، ومنها سؤالهم: إذا قلتم بلزوم الخالق للوجود فمن خلق الخالق؟ تعالى الله عن ذلك، ولكن هذه الحجة لا تعمم من المخلوق على الخالق تعالى، فالمخلوق له خالق، ولكن الخالق ليس له خالق سبحانه نظرًا لاختلافه عن خلقه وتنزهه عن ذلك، والرد القرآني على هذه المغالطة هو: (ليس كمثله شيء – الشورى ١١). فإذا قلنا إن الإنسان صب ماء أو حفر حفرة أو زرع زرعًا، فلا يصح أن نسأل: إذن من صب الإنسان؟ ومن حفر الإنسان؟ ومن زرع الإنسان؟ هذه أسئلة باطلة لأن الإنسان بطبيعته لا تنبغي في حقه هذه الأسئلة، وكذلك الله في صفاته وله المثل الأعلى لا ينبغي عليه سؤال: من خلقه؟ سبحانه.

(٢) ويعممون كذلك الزمان والمكان من المخلوق على الخالق تعالى عن ذلك، فيقولون إذا كان الله قد خلق كل شيء في أول الوقت فمتى كان قبل الخلق؟ وأين كان دون الخلق؟ وما إلى ذلك من مغالطات الرد القرآني عليها كلها هو (ليس كمثله شيء – الشورى ١١)، فالله في وجوده لا ينطبق عليه الزمان والمكان.

(٣) وحجة أخرى شائعة أن منطق ”الخلق يدل على الخالق“ لا ينْبؤنا عن جواب سؤال: أي خالق؟ ولم لا يكون حجرًا أو شجرًا أو كوكبًا أو صنمًا أو نبيًا من الأنبياء أو دينًا غير الإسلام؟ ومنطق الإيمان يقول: (أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون – الطور ٣٥)، والرد هنا هو: هل ادعي حجر أو شجر أو صنم أو نبي أنه خلق هذا الكون؟ ويذكرنا هذا بسؤال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام للأصنام: (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون. ما لكم لا تنطقون. فراغ عليهم ضربا باليمين. فأقبلوا إليه يزفون. قال أتعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون – الصافات ٩١-٩٦)، ومثله: (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يُخلقون. ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون. إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين – الأعراف ١٩١-١٩٤)، اللهم إلا الطواغيت من الناس، هم الوحيدون الذين ادعوا الألوهية، ولكن هل يستطيع الإنسان الذي يدعي الألوهية أن يخلق شيئًا أو أن يغير ولو حركة واحدة في نظام الكون؟ وذلك كما أفحم إبراهيم ﷺ الطاغوت الذي ناظره وقد ادعى الألوهية: (قال إبراهيم  فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأْت بها من المغرب فبهت الذي كفر – البقرة ٢٥٨). أما أن يكون الإله الحق سبحانه في دين غير دين الإسلام، فالإسلام هو دين الأنبياء والمرسلين جميعًا، وفي كتاب الله تعالى رد واف على ما سواه من الأديان التي عُبد فيها غير الله تعالى من حجر وبشر.

(٤) ومغالطة أخرى هي قولهم أن من يستدل بالصنعة على الصانع له معرفة مسبقة بماهية الصنعة والصانع، ولكننا لا نعرف الخالق حتى نستدل عليه – سبحانه عما يقولون، والرد بمنطق الإيمان هو أننا بالنظر إلى الصنعة وإتقانها وإبداعها نتعرف على الصانع، وهذا هو منطق القرآن في التعرف على الله تعالى: (بديع السماوات والأرض – البقرة ١١٧، الأنعام ١٠١)، (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون – البقرة ١٦٤)، (الذي أحسن كل شيء خلقه – السجدة ٧)،(الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير – الملك ٣-٤)، (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب – آل عمران ١٩٠)، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت – الغاشية ١٧-٢٠).

وخلاصة القول هو أن البصيرة العمياء عند جاحدي الإيمان لا تصل إلى الحق، وسوف يبقون أبدًا يجادلون بالباطل مهما حاولنا أن نمنطق الحجج، وحجج القرآن تكفي للرد على الجميع ولكنهم لا يقبلونها: (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب. وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا – غافر ٥-٦)، (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون – فصلت ٢٦)، وبعد أن ذكر سبحانه حجة الخلْق: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض)، قال: (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون – يونس ١٠١)، ولكن بعض الناس يستكبرون في أنفسهم ويتوهمون أنهم لابد أن يشهدوا بأنفسهم وحواسّهم خلْق السماوات والأرض أو خلق أنفسهم أو تتنزل عليهم الملائكة حتى يقرّوا بالخالق تعالى: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا – الكهف ٥١)، (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام – الأنعام ١٢٤-١٢٥)، (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا – الفرقان ٢١).

(٥) والمغالطة الأخيرة التي نذكرها للملحدين هنا هي ما يزعمون أنه حجة ”العلم“، فيقولون إن الإنسان لا يحتاج للدين لكي يفسر الخلْق لأنه بالعلم الحديث قد فهم كيف يعمل الكون وكيف تدور الأفلاك وينزل المطر ويتكون الجنين وتُداوى الأمراض، إلى آخره. وهذه حجة باطلة لأن منطق الإيمان يقرر أن الأسباب لا تنشئ شيئًا، والارتقاء فيها لا ينفي خالقها سبحانه، (فليرتقوا في الأسباب. جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب – ص ١٠-١١)، فحتى لو زادت معلوماتنا عن تفاصيل ومراحل تكوّن المطر أو تشكل الجنين أو علاج الأمراض، فإن هذا لا يعني أن هذه المخلوقات تخلق نفسها، بل هذه كلها -على العكس- دلائل على خلْق الله تعالى وتصريفه المحكم للكون، وهي نفسها أدلة القرآن الكريم على الإيمان لا الإلحاد. قال تعالى عن تنزيله للمطر كآية من آيات خلْقه: (ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء – النور ٤٣)، وقال عن خلقه للجنين كآية أخرى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين – المؤمنون ١٢-١٤)، وقال عن آية شفاء الأمراض: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون – النحل ٦٩)، فهذه التفاصيل السببية هي آيات وأدلة على بديع خلق الله لا على نفي الخلْق كما يغالطون. وتأتي مناقشات أخرى لحجج الخلق في القرآن الكريم في مواضعها.

وبمناسبة الحديث عن مفهوم الخلْق، فإن هناك جدل تاريخي بين المذاهب الإسلامية حول مسألة ”خلق أفعال العباد“، أي: هل خلق الله تعالى أفعال العباد فيهم بما في ذلك الباطل والقبح والتفاوت وعدم الإتقان كما قال الأشاعرة والسلفية؟[5] أم أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله كما قال أغلب المعتزلة والشيعة؟[6] والموضوع استمرت سجالاته التاريخية عبر القرون إلى يومنا هذا. والحق -كما قلنا عن غيرها من الخلافات المذهبية- أننا لا نرى اختلافًا عقديًا ولا أصليًا بين تلك المذاهب الكلامية، وإنما هي مجرد تحيزات لمعاني مركزية مختلفة كلها صحيحة وكلها عليها أدلة من كتاب الله. الإشكالية المفهومية  في نظري هي أن المعتزلة ومن شايعهم يقرنون منطقيًا بين الخلْق والإحداث، أي أن من يُحدث شيئًا بإرادته فلابد أن يُنسب الخلْق إليه، وبالتالي فالخَلْق باختيارهم الحر ”يخلقون“ أفعالهم، ومن هذا الباب أنكروا خلق الله للأفعال وليس من باب إنكار أن (الله خالق كل شيء – الرعد ١٦، الزمر ٦٢) بطبيعة الحال، ولذلك قالوا إن الله تعالى ”أقدَرَ الناس على الأفعال“، وهم أقروا كما يقر كل مسلم بعلم الله سبحانه الأزلي بالأفعال،[7] وأما الأشاعرة ومن وافقهم فقد فرقوا بين الخلق والإحداث فقرروا أن الخلْق لله تعالى والإحداث للبشر باختيارهم الحر ودون إجبار لهم،[8] والخلاف في نظري لفظي في شمول مفهوم الخلْق لنتائج أفعال العباد في مقابل شمول مفهوم القدرة، وليس خلافًا في أصل الإيمان والكفر.

والحق أن مفهوم الخلْق يحتمل المعنيين ما دام الجميع في حدود محكمات القرآن، ولا داعي في عصرنا للمشاحنات المذهبية حول ذلك الجدل التاريخي ما دمنا جميعًا نقر أن الله عز وجل هو (فاطر السماوات والأرض – فاطر ١)، وأنه (لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون – يونس ٤٤)، وأنه (خالق كل شيء – الأنعام ١٠٢) على أي حال، وفي كتاب الله ما يحتمل التأويل ليؤيد هؤلاء وأولئك، ففيه تسميات لأفعال من العباد على أنها ”خلْق“ منسوب لهم، كما قال تعالى على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله – آل عمران ٤٩)، وعلي لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو يحاجج قومه: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا – العنكبوت ١٧)، وقال تعالى: (فتبارك الله أحسن الخالقين – المؤمنون ١٤)، فالمفهوم القرآني يَحتمل أن يُنسب الخلق إلى الإنسان، والذين علقوا على هذه الآيات بتأويلها على سبيل الاستعارة البلاغية أو أنه خلق غير الخلق إنما اختلفوا مع المعتزلة في المصطلح لا في أي من أصول ”العقيدة“ الإسلامية.

و(لعلكم تتقون) تضع التقوى في دائرة المقاصد العليا في الإسلام، إذ أن الآية تنص على أن مقصد العبادة -وهو مقصد شامل وعالي- هو في حد ذاته وسيلة لتحقيق مقصد أشمل وأعلى وهو التقوى، ولكن هذا لا يعني أن نفهم النسق المقاصدي في القرآن الكريم على أنه تراتب هرمي كما هو في نظرية المقاصد التقليدية، بل الصحيح أنه أقرب للنسق الشبكي، والتقوى نفسها وسيلة لتحقيق عدد من المقاصد، كالفلاح: (واتقوا الله لعلكم تفلحون – البقرة ١٨٩)، والرحمة (واتقوا الله لعلكم ترحمون – الحجرات ١٠)، والشكر: (فاتقوا الله لعلكم تشكرون – آل عمران ١٢٣)، ونلاحظ أن الشكر هو بدوره وسيلة للعبادة، وعربية القرآن وسيلة للذكر، والرحمة وسيلة للبر، والقصاص وسيلة للعدل والحياة، وهكذا نستكشف صلات مركبة بين تلك الوسائل جميعًا في شبكة من المعاني المقاصدية في كتاب الله تعالى.

[1] مثل: لا تقولوا راعنا، استعينوا بالصبر والصلاة، كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا، كتب عليكم القصاص، كتب عليكم الصيام، ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان، أنفقوا مما رزقناكم، لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، أنفقوا من طيبات ما كسبتم، اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا، إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم، اتقوا الله حق تقاته، لا تتخذوا بطانة من دونكم، لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة، إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم، لا تكونوا كالذين كفروا، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، خذوا حذركم فانفروا، إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، آمنوا بالله ورسوله، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أوفوا بالعقود، لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد، إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا، كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، اذكروا نعمت الله عليكم، من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم، لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس، ليبلونكم الله بشيء من الصيد، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت، إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار، أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه، استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم، لا تخونوا الله والرسول، إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا، إذا لقيتم فئة فاثبتوا، لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر، إلى آخر الآيات.

[2] ذكرها الجاحظ في البيان والتبيين ١/١٦٣.

[3] راجع كتب المدارس الثانوية في النظم العلمانية شرقًا وغربًا وفي الموسوعات العامة كالموسوعة البريطانية مثلًا:

britannica.com/topic/creationism

[4] أبحاث وكتب كثيرة في هذا المجال. راجع مثلًا:

Michael J. Behe, Darwin’s Black Box: The Biochemical Challenge to Evolution, Free Press, March 1998.

وفيه إثباتات كثيرة على استحالة نظرية التطور لتفسير الأجهزة العضوية-الكيماوية بالغة التعقيد، والتي لا يمكن منطقيًا أن تتطور من أشكال أبسط وأنما يتحتم أن تظهر بتركيبها النهائي دفعة واحدة في بداية متكاملة.

[5] راجع مثلًا: ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، ٣/٤١، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/٣٩٣

[6] راجع مثلًا: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ٣٥٥-٣٦٢، المجلسي، بحار الأنوار ٥/٣٠ الحديث ٣٧،٣٨

[7] القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب العدل والتوحيد ٣/٨، الخياط، كتاب الانتصار والرد على ابن الروندي الملحد، ١١٨.

[8] مثلًا: ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، ٣/٤١، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/٣٩٣

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة