[email protected] +(00) 123-345-11

مقدمات

مقدمات

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أسعد خلقه وخاتم رسله محمد وآله، ورضي الله عن المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فإن أعظم نعمة يسبغها الله تعالى على عبد من عباده أن يشرح صدره لمصاحبة القرآن الكريم، ولذلك ذكر الرحمن سبحانه ضمن آلائه أنه علّم القرآن أولًا قبل أن يذكر أنه خلق الإنسان وعلمه البيان، فقال عز من قائل في مطلع عروس القرآن: (الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان – الرحمن ١-٤)، وقد أكرمني الله تعالى بمحض فضله ومنّه وجميل حلمه وعفوه أن شرح صدري منذ طفولتي لكي يكون القرآن الكريم أصدق صديق وأرفق رفيق، وأن يقدر لي برحمته ولطفه وتوفيقه الخالص أن تضربني ابتلاءات الدنيا حينما كنت أغفل عن القرآن أحيانًا حتى أُفيق فأعود إليه، وأن تتقطع الصلات التي كنت أؤثرها علي القرآن أحيانًا حتى أستوحش من الناس فأتصل به، وأن تؤول المعارف والعلوم التي دَرَستها ودَرَّستها في قلبي إلى مراء ظاهر حتى ألتفت إلى بحار علوم القرآن ومعارفه وحججه، وأن تظهر الحركات والمؤسسات والجامعات التي صرفت فيها من عمري قدرًا على حقيقتها في محدودية الأفق المتاح سياسيًا واقتصاديًا والميل لاختيارات المموّلين والتنفيذيين المحدودة على حساب مقاصد الأمة الكبرى، حتى أنيب إلى أفق القرآن غير المحدود وحبله المتين الذي لا ينحرف المعتصم به عن مقاصده، وأن يتناهى السفر الذي تشاغلت به زمنًا في أرض الله الواسعة إلى أطياف من الذكريات وآثار من الأصداء، حتى تتناهى همتي إلى الرحلة مع آيات القرآن في الآفاق والأنفس أدور معها حيث دارت، وأن تعيا النظريات والمصطلحات الكثيرة التي مرّت عليّ بألسنتها وألوانها المختلفة عن تشكيل تصور مقنع للحياة حتى أعود إلى سلطان كلمات الله التي لا مبدل لها ومنطق القرآن المقاصدي العربي التواصلي التكاملي متعدد الأبعاد والوسائل المتجدد، وأن أقف على شفا الهوة بين الدراسات التاريخية للتفسير والحديث والأصول والكلام وألوان الفقه وبين الواقع العلمي والثقافي الإسلامي والإنساني، حتى أعود إلى القرآن باحثًا عن مفاتيح التجديد والقواعد الحاكمة على التصورات والتصرفات، وأخيرًا، أن يتوق لبّي إلى ما هو أبعد من التعليل بالكيف السببي والماذا الحسّي والكم الوصفي والأين والمتى الفضولي في تساؤلات البشر حتى تنمو ملَكة لماذا فأبحث عن المنطق المقاصدي القرآني، المباشر والمستنبَط. فأي سعادة لامرئ أن يوفقه الله لكي يرغب في كلامه عن أي كلام، وإلى الرحلة بين دفتي كتابه عن أي رحلة، والفكر في آياته المقروءة والمشهودة عن أي فكر، ومنطق قرآنه في التواصل بين الآيات لتوليد القواعد الحاكمة والمقاصد المهيمنة عن أي منطق، فالله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا.

وقد تعورف على أن يكتب من يتصدى لتفسير القرآن العظيم مقدمات يمزج فيها بين ملامح من تجربته الشخصية المتعلقة بكتابة تفسيره والمنهج الذي سلكه في التعامل مع الآيات والسور، وهذان الموضوعان إن أردتُ استقصاء تفاصيلهما احتجت إلى سِفْرين كبيرين، فرأيت أن لاستقصائهما موضعًا آخر ولا يليق إلحاقهما بهذا البحث، فأليَق صيغة للخوض في دروس الحياة هي مذكرات تمشي على ما تعورف عليه في هذا الفن، مع قناعة لديّ أن أفضل وسيلة لتقديم تلك المادة هي الحوار مع خبير بالمحاورة يستكشف ما وراء الأحداث من عِبْرات ويستثير ما في طيات الذكريات من عَبَرات، كما أن أليَق صيغة للتعمق في قضايا المنهج هو بحث منهجي موثّق موسّع يمشي على ما تعورف عليه في هذا الفن كذلك، مع قناعتي أنه من الصعب بل من المحال أن يحيط صاحب تفسير بمنهج نفسه في نظام أو نسق واحد منتظم مطّرد، فهذه ليست طبيعة العلم في تركيب خبراته وتعقيد مؤثراته في وجدان صاحبه، ولا طبيعة القرآن في فتوحات معانيه لمن أنعم الله عليه وتجليات آياته على من يصبر نفسه على دراسته، وأفضل مقاربة لقضايا التفسير المنهجية هي أن يستقري ملامحها عند كاتب التفسير من شاء من الباحثين كلّ من منطلقه وتبعًا لمنهج بحثه وأسئلة واقعه العلمي والعملي، ثم يختلفوا أو ينتقدوا أو يردّوا ما يشاءون لأتعلّم -شاكرًا- فأصحح خطأً أو أزيل تناقضًا أو أجوّد تعبيرًا، أو يُبدوا موافقة أو انتفاعًا أو أثرًا طيبًا مما أدعو أن يكون من عاجل بشرى المؤمن، ومن المعلوم أن سنن الله اقتضت أن يؤخذ من كلام كل أحد ويردّ إلا الرسول ﷺ، وأن كل عمل فكري ولو كان موضوعه القرآن هو اجتهاد على قدر جهد صاحبه البشري المحدود: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال – الرعد ١٧). أسأل الله تعالى أن يكثر في هذا العمل مما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وأن يسيل وادينا -على محدودية قدْره- بما لا يحمل زبدًا من الباطل فيذهب جفاء عنده. إنه أكرم من سئل وأجزل من أعطى وأقدر من عفا.

بيْد أنه قد يناسب هذا المقام -في هذه النسخة المبدئية التجريبية- أن أذكر باقتضاب مقصدي العام من صنع هذا التفسير كما نويته، وأن أسرد تصنيفات أولية للمنظومات المقاصدية القرآنية المستنبطة، وأشير لرؤوس أقلام القضايا المنهجية التي استهديت بها كمعالم وأدلة على الحق في طريق هذه الرحلة المباركة، وأشير أيضًا إلى إرشادات مقترحة لمن أراد أن يدرس هذا التفسير لأغراض الدراسات القرآنية أو البحث أو النقد، وأنوي أن أعود إن شاء الله تعالى في طبعات تالية -خاصة مع استكمال هذا التفسير بحول الله تعالى وقوته- إلى التعرض بتفصيل أكبر خاصة للقضايا المنهجية، نسأل الله تعالى التوفيق لذلك والهداية لأقوم السبل.

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة