[email protected] +(00) 123-345-11

سورة الفاتحة

سورة الفاتحة

بسم الله الرحمن الرحيم

الخيوط الناظمة لمقاصد السورة

النظم أو النظام هو عِقد من حبات خرَز أو دُرر يتخللها سلك أو خيط، والحبات في حد ذاتها لها قيمة، ولكن انتظامهن في ترتيب معين له قيمة إضافية ومعنى خاص، والخيط من أصوات (خ ي ط) التي تعطي معنى الامتداد الدقيق المسترسل، وهو في كلام الله تعالى في: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر – البقرة ١٨٧)، أي يتمايز بياض النهار من سواد الليل في خطوط الأفق المستعرضة، وفي قوله تعالى: (سَم الخياط – الأعراف ٤٠) إشارة إلى إبرة المخيط التي يخاط بها، ولم ترد أصوات (ن ظ م)  في القرآن الكريم، ولكنها وردت في السنّة، كحديث أنس بن مالك عن أهل الجنة من قول النبي ﷺ: (ويرجِعُ أهلُ الغُرَفِ إلى غرفِهم، دُرَّةً بيضاءَ لا فَصْمٌ فيها ولا نَظْم)،[1] أي درة واحدة كبيرة وليست دررًا صغيرة يجمعها سلك أو خيط في نظْم مرتب، وورد في حديث فاطمة بنت قيس: ”نهانا رسولُ الله ﷺ عن لباسِ الذهبِ ونظمِه“،[2] أي جمع قطع أو حبات منه في منظومة، وهو من تنزيه النبي ﷺ للصحابة عن الترف، والمعروف أن الذهب في أصله حلال في زينة النساء عمومًا، ومن قول أم المؤمنين عائشة فيما رُوي عنها في السيَر عن حادثة الإفك: ”فانقطَعَتْ قِلادتي فاحتبَسْتُ في رَجْعِها ونِظامِها“،[3] أي نظْم حباتها في خيطها، ومن حديث أم معبد المرأة البدوية التي وصفت النبي ﷺ: ”حُلوُ المنطقِ فَصلًا، لا نزرٌ ولا هذرٌ، كأنَّ منطِقَهُ خرزاتُ نظْمٍ يتَحدَّرن“،[4] أي أن حروفه وكلماته ﷺ منسقة تنسيقًا بديعًا كأنها خرزات منتظمة في عِقد، وكلمة النظام من الكلمات التي كرر استعمالها الإمام علي كرم الله وجهه في خطبه، منها مثلًا: ”وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ [أي الأمير على الناس] مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَدًا“، ومنها: ”وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا الله سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَامًا لِأُلْفَتِهِمْ وَعِزّا لِدِينِهِم“، ومنها: ”فَرَضَ الله الْإِيمَانَ تَطْهِيرًا مِنَ الشِّرْكِ .. وَالْأَمَانَةَ نِظَامًا لِلْأُمَّة“،[5] وفيها تشبيهات للأمير -الصالح بطبيعة الحال- والتزام الجماعة وأداء حقوق الولاية وخلُق الأمانة بالخيوط الناظمة التي تجمع ما تَفرق من أفراد الأمة في وحدة واحدة، ومما يُروى عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مرفوعًا: ”أوَّلُ شيءٍ يهلِكُ مِن الأُمَمِ الجرادُ، وإذا هلَكَتْ تتابَعْت مثْلَ نظامٍ انقطَعَ سلْكُه“،[6] مما يؤيد معنى النظْم والمنظومات الذي نعتقده في خلق الكون بكل مكوناته وأجزائه المادية والمعنوية، والمشاهدة والغيبية، وهذا الانتظام سنة من سنن الله تعالى في كل شيء. والشاهد هنا هو انطلاقنا في دراسة السورة من أصل انتظام المعاني المقاصدية في القرآن في خيوط ناظمة أو خطوط معنوية أو محاور جامعة، وما نطرحه في مقدمات السور وفي أثنائها هي مجرد اجتهادات مقاصدية بدت لنا من دراسة السورة، لا ندعي أنها الاحتمالات الوحيدة لنظم معانيها، ولا الطرق الوحيدة لفهم مراميها، وإنما سالت أودية بقدرها، وعلى الله قصد السبيل. وقد تولدت لدينا مع دراسة سورة الفاتحة صلات كثيرة مع المقاصد المنهجية السبعة التي كنا قد استخلصناها من الدراسة المنهجية الأولية للقرآن وبيانه من السنّة على صاحبها الصلاة والسلام، كما هو معروض في جزء المقدمات، ألا وهي: تحقيق المقاصد، وتصحيح المفاهيم، وتصنيف الفئات، ومراعاة السنن الإلهية، والتأسي بالقيم، وإقامة الحجج، والتزام الأوامر والنواهي. ولكن تفصيل المعاني التي تقصد هذه السورة العظيمة إلى إحداثها في نفس القارئ والسامع بل وفي الكون الكبير لا يحيط بها إلا الله تعالى، إلا أن المقصد العام من هذه السورة الذي بدا لنا من حصيلة دراستها ووصل عناصرها هو: بيان وترسيخ أصول الدين في التصورات والتصرفات.

ومن أجل تحقيق ذلك المقصد جمعت السورة في كلماتها المحدودة ما لا يحصى من الصلات مع القضايا الأصولية والكليات المليّة والتحيزات الفكرية والمآلات العملية، بين أصول الاعتقاد من إيمان وربوبية وخَلْق ونبوة وميعاد وكتب وما يتصل بكل ذلك، وأصول السير إلى الله من حمد ورجاء وخوف وعبادة واستعانة وإنابة وولاء وما يتصل بكل ذلك، وأيضًا أصول التصور من مفاهيم ومقاصد وفئات وسنن إلهية وقيم وحجج وأوامر ونواهي كما سيأتي تفصيلها فيها وفي ما يليها من سور، وقد جمعت السورة بإشارات مباشرة وغير مباشرة أصول الموضوعات القرآنية من عقائد وأمثال وقصص وأحكام وعلوم عن الدنيا واليوم الآخر والكونيات شهادة وغيبًا، وما يتصل بكل ذلك.

وسورة الفاتحة هي السورة الوحيدة في كتاب الله التي أوحاها الله تعالى لرسوله في صيغة خطاب من قارئي أو سامعي السورة لله تعالى، استفتاحًا باسمه، ثم ثناءً عليه، ثم دعاءً إليه تعالى بالهداية إلى طريق الخير والوقاية من طرق الشر، وهي السورة الوحيدة التي يؤيد تحقيق مقاصدها في الواقع الإيماني أن تلاوتها فرض على كل مسلم في كل صلاة على مدار كل يوم وليلة، وذلك بقصد ترسيخ معانيها وتجديد صِلاتها في القلوب والعقول حين يدعو بها الداعي صباح مساء في كل صلاة وفي كل ركعة. فعن عبادة بن الصامت قال: صلّى بِنا رسولُ الله ﷺ الفَجرَ فلمّا انصرفَ قالَ تقرَؤونَ خَلفي؟ قُلنا نعَم يا رسولَ الله، قالَ: (لا تَفعَلوا إلّا بأمِّ الكتابِ فإنَّهُ لا صلاةَ إلّا بِها).[7]

وقد استنبطنا أن كل كلمة في هذه السورة تقصد إلى أن تصل القارئ لها بمفهوم مركزي من مفاهيم الإسلام، بدءًا باسم الله تعالى والعالمين ويوم الدين والصراط المستقيم، ومرورًا بذكر الربوبية والرحمة والعبادة والاستعانة والهدى والاستقامة والنعمة والغضب والضلال، وقد قُصد من ذكر كل منها وتكرار بعضها ترسيخ تلك المفاهيم في التصور الإسلامي، كما تقدم السورة أول تصنيف للفئات في القرآن الكريم، بين المؤمنين الذين أنعم الله عليهم، والذين غضب الله عليهم والعياذ بالله، والضالين والعياذ بالله، ونناقش مع آخر آية منها علاقة هذا التقسيم بحال فئات من أهل الكتاب ذُكروا في حديث النبي ﷺ معلّقًا على السورة، ثم بحال فئات أخرى من المسلمين وغير المسلمين.

كما تشير السورة إلى بعض السنن الإلهية الكبرى، مثل سنن الخلق، والرزق، والنصر، والجزاء، والتنوع، والزوجية، وغير ذلك مما سيأتي ذكره في مواضعه وفي بقية القرآن بمزيد من التفصيل. وتشير السورة كذلك بشكل مجمل إلى أنواع القيم الثلاثة كما صنّفناها، وهي الخلُق، والجمال، والنفع، وذلك من خلال ذكر الرحمة، والربوبية، والملْك، والعبادة، والاستقامة، والنعمة، والعذاب، وغيرها من الإشارات القيمية غير المباشرة. وأما الحجج على صدق هذه الرسالة وبيان مغالطات من يجحدها، فالسورة قد شملتها في صور غير مباشرة أيضًا ضمن ما جاء فيها من مناجاة من العباد لربهم سبحانه وسؤالهم للهداية منه والاستعاذة به من الضلال، وشملت السورة كذلك عنصر الأوامر والنواهي في صور غير مباشرة ضمن ما فيها من إشارات بالثواب على الخير والمحاسبة على الشر، وضمن ما ذكرته من التزام بالصراط المستقيم، وثواب المؤمنين المستجيبين وعقاب العاصين المخالفين. وهكذا تآزرت وتعاضدت هذه الخيوط الناظمة لتحقيق مقصد السورة في ”بيان وترسيخ أصول الدين في التصورات والتصرفات“.

بسم الله الرحمن الرحيم (1)

 

بدأ القرآن الكريم باسم الله تعالى – سواء هنا على ترتيب المصحف في سورة الفاتحة أو على ترتيب النزول في (اقرأ باسم ربك الذي خلق – العلق ١) – قاصدًا إلى وضع أساس معرفي للتصور المفاهيمي البشري من سلطان الأسماء، أي الإيمان بأن الكلمات التي وردت في لسان القرآن العربي بمعان محددة كلها حق من عند الله، والعلم البشري هو بالأساس علم بالأسماء والمسميات والوسوم والموسومات، (وعلم آدم الأسماء كلها – البقرة ٣١)، وأول هذه الأسماء وأهمها وأكثرها مركزية على الإطلاق في التصور الإسلامي هو اسم (الله) سبحانه، وهو اسم سيتكرر ألوف المرات في بقية القرآن وفي ما وصلنا من سنة النبي ﷺ، وكذلك ما يتعلق باسمه تعالى من أسماء حسنى وصفات وأفعال تفصّل العلم به. وسواء أكان لفظ الجلالة -لغويًا- اسمًا غير مشتق أم كان مشتقًا من ألِهَ بمعنى العبودية، فالمقصود الأول من هذا الاسم الفريد هو إفراد الله تعالى به: (هل تعلم له سميّا – مريم ٦٥)، مما يتعلق بمقصد التوحيد أي التوجه نحو الإيمان بالله الواحد الأحد، والذي هو في مركز التصور الإسلامي كله، ثم تتعلق صفات وأفعال الله تعالى على التفصيل بمعاني أسماء الله الأخرى كلها.

والعلم بأسماء الله تعالى ليس عقائد فلسفية مجردة، بل له نتائج مقصودة في التصورات والتصرفات، مما اصطلح على تسميته بمقاصد العقائد. فالله تعالى يعلمنا عن نفسه سبحانه ثم يرشدنا إلى الأثر المقصود من هذا العلم، ففي قوله تعالى مثلًا: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون – آل عمران ١٦٠)، يبين أن مقصد العلم بأن الله هو النصير والناصر[8] هو تعزيز التوكل عند المؤمنين كما توصيهم الآية، وحين يقول: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير – الحديد ٢٢)، فمقصد العلم بأنه مقدم مؤخر وخلق كل شيء فقدره تقديرًا هو كما تنص الآية التالية: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم – الحديد ٢٣)، وحين يقول: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم – البقرة ٢٠٩)، (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم – المائدة ٩٨)، (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم – المائدة ٣٤)، فالمقصود من العلم بهذه الأسماء الحسنى في مثل هذه السياقات هو الوعظ بالتقوى والاستقامة وطلب الغفران والرحمة والتوبة من الزلل إن حدث، ومن مقاصد العقائد في العلم بأسمائه الحسنى كلها أن نسبح الله وأن نعلم أن الكون كله يسبح له: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض – الصف ٢٢-٢٤).

ونفهم المقصد من البدء في سورة الفاتحة باسم (الله) تعالى ثم بعده مباشرة باسميه (الرحمن الرحيم) أنه إشارة إلى أولوية ومركزية رحمة الله تعالى في العلم عنه وعن الإسلام كله، ونفهم المقصود باسميّ (الرحمن الرحيم) في هذا الموضع أنه متعلق بتعزيز عدد من المفاهيم الإيمانية المركزية في قلوب العباد وعلى رأسها مفهوم ومقصد وقيمة الرحمة وما يتصل بها من عفو وصفح ومغفرة للناس بل وتعاطف بين سائر المخلوقات: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم – آل عمران ١٥٩)، (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم – النور ٢٢)، (قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين – يوسف ٩٢)، وعن النبي ﷺ أنه قال: (الرّاحمونَ يرحمُهم الرحمنُ، ارحمُوا أهلَ الأرضِ يرحمْكم مَن في السماءِ)،[9] وأنه قال: (إنَّ اللَّهَ خَلقَ مائةَ رَحمةٍ فأنزلَ رَحمةً يَعاطفُ بِها الخلائقُ جنُّها وَإِنْسُها وبَهائمُها وعِندَهُ تِسعٌ وَتِسْعونَ رحمةً)،[10] فالرحمة سنة إلهية عامة في كل الخلائق تصبغ كل علاقاتهم بما نعلمه من مظاهرها وما لا نعمله.

ونختلف مع الذين رأوا أن المقصد والمفهوم والقيمة الأكثر مركزية وأولوية في الإسلام هو ”العدل“ -الذي هو أيضًا من أسماء الله الحسنى الشائعة في بعض الروايات ولو لم يُذكر من القرآن كاسم من أسماء الله-،[11] وليس الرحمة، وذلك من وجهين: الأول أن العدل له مركزيته في النظام التشريعي الإسلامي كما يظهر في تفاصيل الأحكام التشريعية وسيأتي تفصيلها في مواضعها، إلا أن ما يقتضيه العدل دائمًا ما يُقرن في التشريع بما تقتضيه الرحمة ولا يتقدم عليها، بل إن ما تقتضيه الرحمة دائمًا ما يكون فضيلة عليا لها أجر خاص من الله تعالى، كالقصاص في القتل عدلاً والعفو مع الدية رحمةً، (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة – البقرة ١٧٨)، وأداء المهور عدلاً وما تطيب به نفس المرأة تنازلاً رحمة: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا – النساء ٤)، أو العفو ممن بيده عقدة النكاح رحمةً: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم – البقرة ٢٣٧)، وكتابة الدَّين وأداؤه عدلاً: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل – البقرة ٢٨٢)، ولكن إذا تعسر الأداء تجلت الرحمة في إمهال المدين أو التنازل تصدقًا: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة – البقرة ٢٨٠)، وقس على ذلك. وأما الوجه الثاني لأولوية ومركزية الرحمة على العدل فهو أن التصور الإسلامي أوسع من النظام التشريعي على أهميته وتقاطعه مع كل ضروب التصرفات البشرية، ذلك لأن الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاق وتصورات عن كل ما في الوجود وليس فقط تشريع، وهذه الأبعاد تتجلى فيها قيمة الرحمة فوق قيمة العدل، خاصة رحمة الله تعالى، (قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة – الأنعام ١٢)، (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا – الكهف ٥٨)، وأما من حيث عدل الله تعالى فقد قال عن ظلم الناس: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة – النحل ٦١)، مما يدل على أنه لا يحاسبنا بعدله سبحانه وإلا هلكنا، بل يغلّب رحمته وعفوه ومغفرته وحلمه، سبحانه. قال ﷺ: (لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتابِهِ على نَفْسِهِ، فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ: إنَّ رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضَبِي).[12]

والعربية لها منطقها الخاص في علاقة أصوات الحروف بمعانيها، وعلاقة الأصوات بالمعاني قام عليها نظام اللغة العربية كله، ولذلك فبدء القرآن كله بحرف الباء في البسملة يتسق مع معنى هذا الصوت في اللسان العربي، إذ أن الباء هو أول الحروف الأبجدية العربية بعد الهمزة ويخرج من الشفتين ببساطة عن طريق ضمهما ثم فتحهما، وصوته في أول الكلمات حسب المنطق العربي يتعلق بمعنى التجمع التراكمي، فناسب معنى البداية، كما في: بدأ، بنى، بدع، بسط، بدر، بجس، بان، بزغ، بلغ، برأ.[13]

وهذه الأسماء الحسنى الثلاثة – الله، الرحمن، الرحيم – هي إذن فاتحة الدارس المتدبر للقرآن إلى بقية الأسماء الحسنى ثم إلى كل معاني الوحي وعلاقاتها بكل مكونات الكون، فالعلم المتاح للإنسان كله لا ينفصل في أي من مكوناته عن العلم بالله الرحمن الرحيم وأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه.

وأما (الرحمن) و(الرحيم)، فنؤيد رأي العلماء المحققين الذين قرروا أنه ليس هناك فرق في ترتيب الأصوات التي تتركب منها كلمتان في اللسان العربي دون فرق مقصود في المعنى، وأنه ليس هناك في اللسان العربي الفصيح فضلًا عن القرآن الكريم ما يسمي ”مترادفات“ متساوية المعنى كما قال بعضهم عن (الرحمن) و(الرحيم). ولذا فقد شرعنا في استكشاف القصد من ورود هاتين الصيغتين للرحمة في (الرحمن) و(الرحيم) في القرآن، فيما وراء الفرق البنيوي بين صيغتي فعلان وفعيل، واللتان اختلف فيهما علماء اللغة أصلًا في أيتهما أدل على المبالغة في الرحمة أكثر من الصيغة الأخرى: فعلان أو فعيل، وقال بعضهم إن الرحمن أدل على الدوام من الرحيم وفرّقوا في ذلك السياق بين رحمتي الدنيا والآخرة ولا دليل على هذا الرأي، وقال آخرون إن الرحمن كلمة عبرانية والرحيم عربية، وهو رأي يتناقض مع أصل الكلمتين العربيتين (ر ح م) وتصريفهما العربيين الخالصَين، بل ومع الأصل اللغوي للعبرانية نفسها كحفيدة من حفيدات اللغة العربية، كما سيأتي بالتفصيل قريبًا.

ولكننا بحثنا في الكلمتين كمفهومين مركبين بناء على منهجيتنا في التواصل من أجل توليد التعريفات كما شرحناها في المقدمات، ودرسنا العلاقات بين هذين الاسمين وسياقاتهما، سواء في القرآن الكريم أو في كلام النبي ﷺ الذي وصل إلينا، وبنينا شبكة من المعاني حولهما من أجل الوصول إلى تصور مركب وشامل لهما، فنشأ من ذلك البحث أن التفريق هو بين نوعين من الرحمة الإلهية أو بُعدَين، كما  فصلنا في المقدمات المنطقية ضمن مناقشة تعدد الأبعاد: بُعد الرحمة عن عظمة وبُعد الرحمة عن رأفة.

أما ذكر (الرحمن) فيأتي في الكتاب والسنة متعلقًا بمفاهيم عظمته وقدرته ووحدانيته وآياته ونصره وحكمه ووعده ووعيده سبحانه، ويتعلق بمقاصد عديدة على رأسها العبادة والعبودية والاستعانة به، والخوف والتقوى والخشية منه، ويتعلق بفئات من المؤمنين خاصة (عباد الرحمن) من الناس والملائكة، وتتجلى فيهم هذه المفاهيم المذكورة من إيمان وعبادة وخشية وتوسط وعفة ودعاء حسب سياق الآيات، ويتعلق بسنن إلهية مطردة في الإمهال للظالمين ثم عقوبتهم على قدر ظلمهم حين لا تنفعهم الشفاعة، وسنن الجزاء الجزيل وحسن المآب للمحسنين، ويتعلق بقيم كالخوف من الله والرجاء إليه والتوكل عليه، ويتعلق بأوامر إلهية مثل السجود والدعاء والاستعاذة، ومن تكامل تلك المعاني وملاحظة ما اتصل بها من مقاصد ومفاهيم وسنن وقيم وفئات وأوامر ونواهي، بدا لنا أن اسم (الرحمن) تعالى متعلق بالرحمة الإلهية مع استحضار معاني متصلة بالعظمة والمُلك والقدرة.[14] وأما ذكر اسم (الرحيم) سبحانه فيأتي في الكتاب والسنة مقترنًا باسميه الغفور أو الرؤوف،[15] ومتعلقًا بقبوله لتوبة التائبين -وقد تكرر اسم (الرحيم) عدة مرات ضمن سورة التوبة في سياق معنى التوبة- ويتعلق كذلك باستغفار الناس وصلواتهم لله ومحبتهم له سبحانه، وعذره لهم لاضطرارهم وضعفهم، ودعوته إياهم للرأفة بأنفسهم والإصلاح فيما بينهم، ولاحظنا أيضًا في تلك المواضع ما اتصل بهذه المفاهيم من مقاصد وسنن وقيم وفئات وأوامر ونواهي – ومن تكامل تلك المعاني فهمنا أن اسم (الرحيم) متعلق أيضًا بالرحمة الإلهية ولكن مع استحضار معاني متصلة بالرأفة والمغفرة والود.

هما إذن بُعدان من الرحمة متكاملان: بُعد الرحمة عن عظمة وبُعد الرحمة عن رأفة، وجمعهما في بداية سورة الفاتحة يقصد إلى تحقيق التكامل في معاني العبودية المقصودة المقابلة لهذين الاسمين الحسْنيين: (الرحمن) و(الرحيم)، كالخوف من الرحمن والرجاء من الرحيم، والخشية من الرحمن والثقة بالرحيم في عدم ضياع الإيمان والعمل الصالح، والتنزيه للرحمن عن كل ما يشبه المخلوقين ومحبة الرحيم، واجتناب الإثم كما أمر الرحمن والتوبة إلى الرحيم إذا وقع إثم أو زلل، ودعوة الناس إلى الرحمن والدعاء للرحيم، وبالجمع بين هذه المعاني المتقابلة المتعلقة باسمي (الرحمن) و(الرحيم) يتقدم بالعبد في طريق الله تعالى كطائر بجناحين: رحمة من آثار عظمة الله، ورحمة من آثار رأفة الله. وسوف يأتي في هذه السورة أن مفتاح العلم الذي علمه الله للإنسان هو الأسماء، إذ أن الله تعالى (علم آدم الأسماء كلها – البقرة ٣١)، ورغم أن الاسم دليل على المسمى إلا أنه لابد من توصيل أبعاد المعاني المتعلقة بالاسم وتحليل علاقاتها من أجل تعريف شامل للمفهوم كما ذكرنا في المقدمات،[16] وكذلك التوصيل بينها وبين حقول المفاهيم الأخرى لكي تتضح معالم المفهوم الذي يعبر عنه الاسم، كما قمنا هنا في التفريق بين معاني اسمي الله تعالى (الرحمن) و(الرحيم)، وكما سيأتي في فهم كثير من المفاهيم. والبدء باسم الله في أي عمل يقصد إلى الإقرار بسلطانه تعالى، وبدء القرآن خاصة باسم الله يقصد إلى الإقرار بحجية وحق هذا الكتاب بل وبأنه هو فقط الذي يحمل المقام الأعلى للحجية والحق.

الحمد لله رب العالمين (2)

 

العربية لغة عجيبة في سعتها واستيعابها لأدق الفروق بين أغراض الكلام المتنوعة، والتراكيب المحتملة لأي جملة عربية تُحسب على عدد التباديل المحتملة للترتيب بين وحداتها من كلمات وأفعال وحروف، ثم يضاف لذلك عدد احتمالات حركاتها الممكنة بين رفع وفتح وجر وما تعنيه من معاني حسب إعرابها. واختيار تركيب معين في هذا القرآن الحكيم الذي تناهت بلاغته لابد له -كأصل منهجي- من معان مقصودة بالتركيب المختار وليس هناك حرف ولا كلمة في موضع عبث والعياذ بالله، فقد كان يمكن في (الحمدُ لله رب العالمين) كجملة أن تركب تركيبًا عربيًا صحيحًا على احتمالات كثيرة منها: الحمدَ لله رب العالمين (بفتح الدال، وهي قراءة رويت ولكنني لم أجد من رواها ثابتة عن رسول الله ﷺ)، أحمد الله رب العالمين، نحمد الله رب العالمين، حمدًا لله رب العالمين، لله الحمد رب العالمين، الله رب العالمين له الحمد، رب العالمين الله له الحمد، للعالمين رب له الحمد، وهكذا، ومعنى الجملة يختلف حسب تركيب كلماتها.

والإعراب والتقديم والتأخير في كلّ من هذه الجمل يقصد في اللسان العربي إلى معنى مختلف عن المعاني الأخرى، فالفتح في (الحمدَ) يعني إضمار فعل كأحمدُ أو أتلو، ويقصد -كما قال سيبويه- إلى أن يكون الحمد من الحامد وحده وليس من كل الخلائق، ومثلها أحمدُ اللهَ ونحمد لله فيُنسب الحمد ويختص فيهما للمتكلم أو لجماعة مفترضة معه، كما يأتي في: (إياك نعبد) و(اهدنا الصراط)، وحمدًا لله تقصد إلى الحمد ولكن تنكير الكلمة كأنه يشير إلى حمد واحد وليس مطلق الحمد كما هو في تعريف الكلمة بالألف واللام، وحمدًا أقل في الإشارة كذلك إلى الحمد من أحمد الله أو أتلو الحمدَ لله. وأما لله الحمد فالمقصد من تقديم لفظ الجلالة -ومن التقديم في تركيب الجمل العربية عمومًا- هو التركيز على موضوع الكلمة المتقدمة، كما يأتي في قول الله تعالى في سورة الجاثية مثلًا: (ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون. فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين – الجاثية ٣٥-٣٦)، والحمد في (لله الحمد) هنا هو لله تعالى خصوصًا على هذا المصير النهائي للمؤمنين والكافرين، وليس مطلق الحمد كما في هذه الآية (الحمد لله رب العالمين). أما (الحمدُ لله) بتقديم الحمد وضمه على الابتداء فتقصد إلى أن الحمد راجع إلى الله تعالى حمدًا مطلقًا، أي كل الحمد بمعاني ووجوه وأبعاد الحمد، ومطلق الحمد كذلك من كافة الأشياء الحامدة له، وكل شيء يحمده ويسبحه كما نعلم من قوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده – الإسراء ٤٤).

والحمد جزء من حقل مفاهيمي له علاقة بمعناه، كالشكر والذكر والامتنان والثناء، وذلك في مثل قول الله تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد – ابراهيم ٧)، (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون – البقرة ١٥٢)، (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إِن كنتم صادقين – الحجرات ١٧)، وقوله ﷺ: (قال الله تعالى: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) قال: حَمِدَني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَن الرَّحِيم) قال: أثنى عليَّ عبدي)،[17] (فيُؤذَنُ لي في الشَّفاعةِ فأُثني على اللهِ ساجدًا كما أُثني عليه قائمًا فيُقالُ لي: ارفَعْ رأسَك وسَلْ تُعْطَه واشفَعْ تُشفَّعْ).[18] وهذه المفاهيم تكوّن مع الحمد جزءًا من علاقة الامتنان والثناء بين العبد وربه، إلا أن الحمد يشمل كل أنواع الامتنان والثناء، وهو لله تعالى لذاته وكماله وجلاله وملكه وليس بالضرورة مرتبط بحدث من الأحداث، وهذا الافتتاح بـ (الحمد لله) بعد ذكر اسم الله تعالى في أول القرآن يدل على مركزية الحمد لله تعالى في الرحلة إليه والتوجه إليه.

ثم تأتي بعد ذلك: (رب العالمين)، وهو وصف لله تعالى بالربوبية، ومعناها أنه سبحانه يدبر الأمر ويسيّر ويسوس ويربّي عباده بالحوادث التي تستجد عليهم، قال تعالى: (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون – البقرة ١٣٩)، (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل – النساء ٧٧)، (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء – ابراهيم ٤٠)، فالله تعالى بفضله وكرمه يربّي عباده ويؤدبهم بالأحداث في هذه الدنيا وبما افترضه عليهم من طاعات وحرم عليهم من محرمات، ولذلك روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)،[19] وهو مقتضى وصف الله سبحانه له ﷺ: (وإنك لعلى خلق عظيم – القلم ٤)، فالله تعالى يربي أنبياءه والذين يصطفيهم من عباده ويطهرهم ويصنعهم بالأحداث، كما قال لموسى ﷺ ممتنًا: (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني – طه ٣٩)، وعن مريم عليها السلام قال: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين – آل عمران ٤٢)، وقال عن المؤمنين الذين يربيهم بالقتال في سبيله: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء – آل عمران ١٤٠)، وقال عنهم أيضًا: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين – العنكبوت ٢-٣)، وهكذا.

ومقتضى الربوبية أن يكون المربوبون من العالمين ذوي حياة وعقل وإرادة، و(العالمين) جمع عالم، وهي -كما يقول ابن عاشور في تفسيره للآية- مشتقة من العلم بالعلامات التي تميز جنس من الأجناس، أي أنه إذا اشترك جنس من أجناس المخلوقات في علامات تميزهم أصبحوا عالَمًا، والعالَم إذن يشمل كل قسم من الموجودات أو جنس من الأجناس وليس فقط الإنسان، والربوبية إذن لا يخرج عنها أي من الكائنات لأنه ما من كائن إلا وهو منتم لعالم أو أكثر من العوالم أو الأمم بالمعنى الواسع للأجناس. صحيح أن الإنس والجنّ -وقد خلقوا قبل الإنس- ينطبق عليهم التكليف بحمل أمانة الاختيار بين الإيمان والكفر، ولكن بقية الكون حيّ مربوب ولو لم تختر كائناته بين الإيمان والكفر.

ولا يصح هنا الدعوى بأن العالمين تختص بالناس فحسب في كل معانيها، فقد قال تعالى مثلاً: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين – الأعراف ٥٤)، قاصدًا الإشارة في آخر هذه الآية إلى كل تلك العوالم المذكورة فيها، وقال على لسان ابن آدم: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين – المائدة ٢٨)، وذلك في حوارهما حين كان الناس لا يزالون أمة واحدة صغيرة ولمّا يصل البشر إلى أن يكونوا ”عالَمين“، وأما قول لوط عليه الصلاة والسلام لقومه: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين – الأعراف ٨٠)، فالمقصود هنا بالعالمين حسب السياق هو الناس الذين عاشوا في عصره وليس كل المخلوقات ولا كل العصور، كما يأتي مناقشته في موضعه من سورة الأعراف إن شاء الله.

ولا يصح منهجيًا أن نُدخل التقسيم المادي المستحدث للموجودات في التفريق بين ”الأحياء“ و ”غير الأحياء“ في مفهوم العالمين، إذ أن مفهوم الحياة في القرآن شامل لكل شيء، إذ أن الله تعالى نسب الحياة لكل شيء وليس فقط لما يفهمه العلم المعاصر من أشكال الحياة في الإنسان والحيوان والنبات، كما قال تعالى مثلًا: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا – الإسراء ٤٤)، (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء – الرعد ١٣)، (وإن منها لما يهبط من خشية الله – البقرة ٧٤)، أي الحجارة، (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا – الأحزاب ٧٢)، وقول النبي ﷺ: (مُعلِّمُ الخيرِ يستغفرُ لَهُ كلُّ شيءٍ حتّى الحيتانُ في البحرِ)،[20] ولاحظ تعبير (كل شيء)، وقوله عن جذع الشجرة -وكان مقطوعًا- أنه حنّ أي أنّ أنينًا لما كان يسمع من الذكر عنده،[21] وهذه العوالم كلها بما فيها الرعد والظلال والحجارة والجبال والحيتان وجذع الشجرة الجاف، حية ومربوبة ولو لم تتحمل أمانة الاختيار بين الإيمان والكفر.

ولكن المخلوقات في العوالم المختلفة مكلفة باختيارات أخرى غير الإيمان والكفر، وهي اختيارات بين أقوال وأفعال تملك إرادة قولها وفعلها كلٌّ حسب سنّة خلقه وما جُبل عليه، ولكل مخلوق نوع من الأوامر والنواهي التي تحكم الحقوق والواجبات في تصرفاته في حدود تلك السنن وليس فقط الإنس والجن، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن الحقوق تُؤدى يوم القيامة بين كل المخلوقات وليس بين الناس فقط، قال تعالى: (وإذا الوحوش حشرت – التكوير ٥)، أي للحساب يوم الحساب حين تعلم كل نفس ما أحضرت، وقال ﷺ عن يوم القيامة: (لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلِها حتّى يُقتَصَّ للشّاةِ الجمّاءِ مِن الشّاةِ القَرْناءِ نطَحَتْها)،[22] وهذا يعني أن هناك حكمًا إلهيًا دنيويًا للحقوق في عالم الشياة أن لا ينتطح عنزان إذا افتقد أحدهما للقرون التي يدافع بها عن نفسه، وأن الشاة القرناء إذا اعتدت على حق الشاة الجماء فإنها تكون قد ظلمتها ويكون الموعد يوم القيامة في رد ذلك الحق وإقامة العدل، وهذا المعنى للحقوق ليس بين الشياة فقط بل هو سنة مطردة في كل العوالم، كما روي عنه ﷺ في رواية أخرى: (يُحشرُ الخلائقُ كلُّهم يومَ القيامةِ والبهائمُ والدوابُّ والطيرُ وكلُّ شيءٍ فيبلغُ من عدلِ اللهِ أن يأخذَ للجمّاءِ من القرْناءِ ثم يقول كوني ترابًا فذلك حين يقول الكافرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا)،[23] ونلاحظ هنا شمول عدل الله تعالى في قوله ﷺ: (والبهائمُ والدوابُّ والطيرُ) وليس فقط الشياة، مما يعني أن بينها حقوقًا كحقوق الشياة المذكورة، بل ورواية الرواة أنه ﷺ قال: (وكلُّ شيءٍ) يعني أن ”كل شيء“ يدخل في عدل الله وسنن الحقوق والقصاص يوم القيامة، لأن كل شيء له اسم له حياة ووعي في التصور الإسلامي، والحياة والوعي ليسا فقط على مستوى واحد من الوجود بل على مستويات الوجود المختلفة، كما قال تعالى عن الإنسان مثلًا: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء – فصلت ٢١)، مما يدل على أن للإنسان حياة ومنطقًا ووعيًا، ومستوى الجلود له حياة ومنطق ووعي مستقل، والألسنة والأيدي والأرجل كذلك، كما أن للجبل حياة ومنطقًا، ولكل حجر في الجبل حياة ومنطقًا خاصًا به كما ذُكر عن الحجارة التي تهبط من خشية الله.

وربوبية العالمين بهذه المعاني توسّع النظر في أصل شمول الحياة لكل شيء، وهو أصل من الوحي يوسّع آفاق العلم المادي المعاصر بعد أن وصل إلى أفق ضيق بسبب أساسه من الفلسفة المادية، ذلك أنه لا تنسب الحياة ولا الإرادة – أو كما هو المصطلح العلمي ”الوعي“ (كونسيوس باللاتينية) – إلى الجمادات ولا النبات ولا دواب البر والبحر ولا حتى الإنسان عند بعضهم، بل يعتبرون بناء على الفلسفة المادية أن حركة المخلوقات ذات الخلايا كالإنسان والحيوان والنبات هي مجرد نتائج سببية لتفاعلات كيميائية في عضو المخ أو في الأطراف العضوية أو النباتية، وتتطور عبر القرون، وأن حركة ما يصنف علميًا كجمادات هي مجرد سببيات لا حياة فيها تحكمها قوانين الطبيعة الجامدة كحركة عقارب الساعة دون حياة ولا إرادة للاختيار في أي صورة أو مستوى من الجمادات.

ولذلك يحتار علماء الطبيعة والأحياء والكيمياء حين يرون بأم أعينهم في سياق بحثهم أن أشكالًا من المخلوقات ليس بها مخ ولا أعصاب تختار مسارات للحركة أو النمو بإرادة لا مراء فيها، وعن وعي في تحقيق أهداف معينة، وتحتفظ في مكان غير معلوم -غير ”خلايا الذاكرة“- بذاكرة متوارثة عن تركيبها وتجاربها السابقة، سواء في نفس المخلوق أو عبر الأجيال جيلًا بعد جيل، بل ويلاحظون أن جزيئات المادة التي يعتبرونها صماء -خاصة على المستوى الكمّي أي المتناهي في الصغر دون الإلكترونات- تتأثر باختيارات الراصد لها وكأن لها عقلًا ووعيًا وذاكرة تتفاعل بها مع من يرصدها من البشر وتغير من سلوكها حسب سلوكه. ولكن هذه الحيرة والإشكالات العلمية في آفاق البحث التجريبي المعاصر سوف تزول إذا قبل المنهج العلمي المعاصر التصور القرآني أن المادة في كل أشكالها الحيوانية والنباتية والجمادية حية مختارة، ليس على نظام أو تركيب مخ الإنسان ولا منطق اختيار الإنسان ولكن في حدود ما جُبلت عليه من اختيارات ومنطق خاص بها، وسيأتي إن شاء الله تعالى في مواضعه من الآيات الكريمات تفصيل لأشكال الحياة والإرادة في المخلوقات وعناصر التصور المتعلقة بذلك.

الرحمن الرحيم (3)

 

التكرار أو الترداد من الأساليب العربية ذات المقاصد المتنوعة، مما سيأتي في سياقات كثيرة، منها تكرار آية أو فقرة تامة مرات في سياق واحد حتى تؤكد كل مرة معنى سابق أو تنشئ معنى إضافي، كتكرار قول الله تعالى في سورة الشعراء: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم)، وفي سورة الرحمن: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، وفي سورة القمر: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)، ومنها تكرار آية في سياق مختلف بقصد تأكيد معنى سابق أو إنشاء معنى إضافي في السياق الجديد، كتكرار الآية في سورتي هود ١١٠ وفصلت ٤٥: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب). ومنها تكرار الأصول العقدية والتشريعية للتأكيد عليها مثل: (لا تزر وازرة وزر أخرى – الأنعام ١٦٤، الإسراء ١٥، فاطر ١٨، الزمر ٧، النجم ٣٨)، و(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها – البقرة ٢٨٦)، والذي تكرر في سور الأنعام ١٥٢ والأعراف ٤٢ والمؤمنون ٦٢ والطلاق ٧، وقول عيسى عليه الصلاة والسلام: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم – آل عمران ٥١، مريم ٣٦، الزخرف ٦٤)، ومنه تكرار كلمة  في نفس المعنى، كقوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون – المؤمنون ٣٦)، (وأكواب كانت قواريرا. قوارير من فضة – الإنسان ١٥-١٦)، (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا – الفجر ٢١)، أو نفس الكلمة مع اختلاف المعنى، كقوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة – الروم ٥٥)، على طريقة الجناس البلاغي، ومنه تكرار حروف في داخل نفس الكلمة، مثل كلمات: (كبكبوا – الشعراء ٩٤)، و(زحزح – آل عمران ١٨٥)، و(حصحص – يوسف ٥١)، ومنه تكرار مشهد من قصة من زوايا مختلفة لأغراض متنوعة، ولهذا كله مقاصد وأغراض متنوعة، كما سيأتي في مواضعه.

وقد ورد عن النبي ﷺ ترداد آيات بقصد التفكر والاعتبار، كالذي ورد عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: قام رسولُ اللهِ ﷺ بنا ليلةً فقام بآيةٍ يُردِّدُها وهي: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ – المائدة ١١٨)،[24] وعن عبدالله بن عمر: قرأ النَّبيُّ ﷺ هذه الآيةَ وهو على المنبرِ (والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ – الزمر ٦٧) قال: يقولُ اللهُ: أنا الجبّارُ، أنا المتكبِّرُ، أنا الملِكُ يمجِّدُ نفسَه، فجعل النَّبيُّ ﷺ يردِّدُها حتّى ظننتُ أنَّه سيخِرُّ بها،[25] وكان التكرار من أساليبه ﷺ في التأكيد والحض على الخير وبيان أنواعه مع كل تكرار، فعن أبي سعيد الخدري قال ﷺ: (مَن كانَ معهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ به على مَن لا ظَهْرَ له، وَمَن كانَ له فَضْلٌ مِن زادٍ، فَلْيَعُدْ به على مَن لا زادَ له. قالَ: فَذَكَرَ مِن أَصْنافِ المالِ ما ذَكَرَ حتّى رَأَيْنا أنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنّا في فَضْل).[26]

وهذا التكرار لاسمي (الرحمن الرحيم) سيأتي في عدد من المواضع في كتاب الله تعالى (البقرة ١٦٣، النمل ٣٠، فصلت ٢، الحشر ٢٢)، ولكنهما هنا في آية مستقلة كصفتين لرب العالمين سبحانه، ويقصد التكرار فيهما إلى كل ما ذكرناه من مقاصد التكرار، فهو بقصد تأكيد هاتين الصفتين حتى يطمئن قلب القارئ إلى رحمة الله تعالى، وبقصد التدبر والتفكر والاعتبار واستكشاف أوجه المعاني والبديع اللغوي، وهو تكرار في موضع مختلف بقصد إنشاء معنى إضافي، خاصة بعد وصف الله تعالى برب العالمين، فيحدث توازن بين الخوف والرجاء في قلب القارئ، وكذلك من باب بيان أن الرحمة أصل عقدي هام، خاصة مع تكامل بُعد الرحمة عن عظمة (الرحمن) مع بُعد الرحمة عن رأفة (الرحيم)، كما ذكرنا.

مالك يوم الدين (4)

 

هذه الآية هنا دليل على أهمية تذكر الآخرة في السلوك إلى الله تعالى ومركزية يوم القيامة في التصور الإسلامي للحياة، فبعد نسبة الحمد كله لله ووصفه برب العالمين الرحمن الرحيم، يأتي مباشرة تذكير بالموت وقيام الناس لرب العالمين في يوم الدين، يوم يَدين الله تعالى الناسَ بأعمالهم ويحاسبهم عليها، فالدِّين هنا وفي آية الذاريات مثلًا: (وإن الدِّين لواقع – الذاريات ٦) هو بمعنى الحساب، وهو أحد أبعاد الدِّين الذي هو مفهوم مركب متعدد المعاني، وسوف يأتي الدِّين بمعنى الإيمان: (لا إكراه في الدين – البقرة ٢٥٦)، وبمعنى منهج الحياة: (إن الدين عند الله الإسلام – آل عمران ١٩)، وبمعنى الولاء: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله – يوسف ٧٦)، وبمعنى النظام العام: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله – الأنفال ٣٩)، وبمعنى التشريع: (وما جعل عليكم في الدين من حرج – الحج ٧٨)، وهي معان بينها تقاطعات ومقاصد مشتركة ولكنها تتمايز في دلالاتها حسب السياق واتصالها بما قبلها وما بعدها، ولذلك لا يصح الإصرار على تفسير أو ترجمة الكلمة العربية الواحدة في كل سياق بمعنى واحد فحسب كما نرى في بعض التفاسير والترجمات التي توصف بـ”المبسطة“، لأن الكلمة العربية الواحدة قد تتعدد معانيها رغم الصلة بين تلك المعاني تحت أصل لغوي واحد، ومفهوم (الدين) من أوضح الأمثلة، وهذا من طبيعة اللسان العربي وثراء التعبير فيه.

ومن طبيعة اللسان العربي أيضًا أن تتنوع اللهجات والتعبيرات داخل اللغة، فبعض العرب يهمز أي يقرأ بالهمزة في: الأرحام أو تأكلون أو النبيء وبعضهم لا يهمز فيقرأ: الارحام و تاكلون و النبي، وبعضهم يقول عليهِم وفيهِم -بالكسر- وبعضهم يقول عليهُم وفيهُم -بالضم- وآخرون يقولون عليهِمو وفيهِمو -بزيادة واو- أو عليهِمي وفيهِمي -بزيادة ياء-، وبعضهم يقول جَنِّة وفِضِّة ومَرِّة بالكسر وبعضهم جَنَّة وفِضَّة ومَرَّة بالفتح، وبعضهم يفخم الراء في خبيرا وما أدراك وبعضهم يرقق الراء، وبعضهم قد يستغرب كلمة مثل تثبّتوا ولا يستغرب تبيّنوا، أو يرتع ويرتعي، أو اسعوا وامضوا، وبعضهم يقول بالمِلك للشيء بكسر الميم وبعضهم بالمُلك بضم الميم، فضلًا عن اختلاف أصوات الألف مثل إمالة صوت الألف في موسى والضحى ومجراها، أو مد صوت الألف في الآخرة أو أرآيت أو أآنتم، أو تفخيم صوت الألف في الصلاة والطلاق، وهكذا، وبالتالي فقد تُقرأ الكلمة الواحدة من القرآن على عدة أحرف تشترك في شكل الكتابة العربي الأصلي، أي دون تنقيط أو تشكيل، ولكنها تختلف في فروع من المعاني كلها متصلة بمعنى أصلى متفرع عن أصوات الحروف الأصلية، وذلك مثل قراءتي (فرّقوا) و(فارقوا)، و(للعالَمين) و(للعالِمين)، و(تبينوا) و(تثبتوا)، ومنها في هذه الآية: (مَلِك يوم الدين) و(مالك يوم الدين) بناء على أصل كلمة المُلك أو المِلك: (م ل ك)، وهما معنيان مختلفان قليلًا في الدلالة على السلطان وإن كان أصلهما واحد.

ولكنّ أي قراءة قرآنية مقبولة لابد وأن تصل لنا بطريق صحيح عن النبي ﷺ لأنه: (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى – النجم ٣-٤)، أي القرآن، وعن تبديل الكلمات من الرسول ﷺ نفسه -كما ادعى البعض كذبًا في تعدد القراءات- يقول الله تعالى: (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي – يونس ١٥)، وعليه فالقراءات كلها وحي وكلها منزلة وليست من عند بشر ولا حتى الرسول ﷺ، ودليل ذلك ما يرويه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سَمِعْتُ هشامَ بنَ حَكيمِ بنِ حِزامٍ يقرأُ سورةَ الفُرقانِ فقرأَ فيها حروفًا لم يَكُن نبيُّ اللَّهِ ﷺ أقرأَنيها، قالَ: فأردتُ أن أساوِرَهُ وأنا في الصَّلاةِ، فلمّا فرغَ، قُلتُ: مَن أقرأَكَ هذِهِ القِراءةَ؟ قالَ: رسولُ الله ﷺ. قُلتُ: كذَبتَ، واللَّهِ ما هَكَذا أقرأَكَ رسولُ الله ﷺ، فأخَذتُ بيدِهِ أقودُهُ، فانطَلقتُ بِهِ إلى رَسولِ الله ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّكَ أقرأتَني سورةَ الفرقانِ، وإنِّي سَمِعْتُ هذا يقرأُ فيها حروفًا لم تَكُن أقرأتَنيها، فقالَ: اقرَأْ يا هِشامُ فقَرأَ كَما كانَ قرأَ، فقالَ: هَكَذا أُنْزِلَت، ثمَّ قالَ: اقرأ يا عُمرُ فقرأتُ، فقالَ: هَكَذا أُنْزِلَت ثمَّ قالَ رسولُ الله ﷺ: (إنَّ القُرآنَ نَزلَ على سبعةِ أحرُفٍ).[27]

وقد تواترت الروايات في (ملك يوم الدين) أن النبي ﷺ قرأها وقرأها صحابته وأمهات المؤمنين على قراءتين: (مَلِك يوم الدين)، وهي قراءة الجمهور من القراء الذين انتهت إليهم الروايات المتواترة كما نذكرهم تاليًا، و(مالك يوم الدين) وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف فقط، ولكنها تواترت عن علي وعثمان وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطلحة والزبير رضي الله عنهم. والرأي السائد في علم القراءات أنه لا تقبل القراءة إلا إذا ثبت تواترها إلى أن تصل إلى القرّاء العشرة الأكثر شهرة في الأمصار، أي: نافع المدني، وروايتي قالون وورش عنه، وابن كثير المكي، وروايتي البزي وقنبل عنه، وأبي عمرو البصري، وروايتي الدوري والسوسي عنه، وابن عامر الشامي، وروايتي هشام وابن ذكوان عنه، وعاصم الكوفي، وروايتي شعبة وحفص عنه، وحمزة الكوفي، وروايتي خلف وخلاد عنه، والكسائي الكوفي، وروايتي أبو الحارث الليث والدوري عنه، وأبي جعفر المدني، وروايتي عيسى بن وردان وابن جمّاز عنه، ويعقوب الحضرمي، وروايتي رويس وروح عنه، وأخيرًا قراءة خلف العاشر، وروايتي إسحاق بن إبراهيم وإدريس الحداد عنه، وما عدا ما يصل عن طريق هؤلاء القراء العشرة أو ما يُكتب مخالفًا للرسم الذي اعتمدته اللجنة التي كلفها الخليفة الثالث ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه فيما عرف بالمصحف العثماني، فقد اعتبره القراء شاذًا لا يعتمد ولا يقرأ به.

ورغم أن قراء القرآن من الصحابة رضي الله عنهم كان لهم منهج مختلف عن شرطي التواتر وعدم مخالفة الرسم، وبالتالي لا يُستبعد عقلًا أن تكون هناك قراءات صحيحة قرأها النبي ﷺ غير الروايات المتواترة أو الرسم المعتمد، إلا أن هذين الشرطين قد حلّا إشكالية الخلاف في قراءات ”شاذة“ لبعض الصحابة، سمعوها من النبي ﷺ حقًا كما ثبت عنهم بالأحاديث المسندة الصحيحة، ولكن لعلها كانت منه ﷺ من باب التفسير وليس من باب نقل القرآن نفسه فحفظوها على أنها قرآن وليست كذلك، والوقوف على شرط التواتر ورسم المصحف المعتمد أولى لحسم مادة الخلاف في تلك المواضع من كتاب الله تعالى، مع عدم الجمود على حرف واحد والحفاظ على بعض التنوع المقصود، ولو كان هناك احتمال وارد أن لا نعتمد قراءة صحيحة فعلًا عن النبي ﷺ ولكنها لم تصل إلى القراء العشرة المذكورين وتلاميذهم أو خالفت الرسم الذي اعتُمد من بعد، وأوضح مثال على ذلك قراءة: (فامضوا إلى ذكر الله) من سورة الجمعة، والتي قرأ بها علي وعمر وأبيّ وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم، وجماعة من آل البيت والتابعين، كما ثبت في الحديث الصحيح، فهي حقًا ليست ”شاذة“.

وعدم الجمود على حرف واحد مقصود، ولكن عدم الاختلاف في الكتاب مقصود آخر، ذلك أن النبي ﷺ ثبت عنه -من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه- أنه قال: (اقْرَؤُوا القُرْآنَ ما ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فإذا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عنْه)،[28] وقد حذر الله تعالى من الخلاف في الكتاب الذي يؤدي إلى البغي: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم – البقرة ٢١٣)، وقال عن الذين يخالفون ذلك: (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد – البقرة ١٧٦)، ولذلك فالقرار السياساتي بجمع الناس على مصحف واحد معتمد وحرق ما سواه كان بقصد تجنب الخلاف الذي يؤدي إلى الشقاق في صفوف الأمة ويحقق المصلحة العامة، وإن فُقدت بعض الأحرف الموازية من القراءات الأصلية كما ذكرنا.

والزيادات الشاذة إذا صحت حديثيًا ولو لم تصل لدرجة التواتر عند القراء المشهورين أو خرجت عن رسم المصحف، فإننا نعتبرها ”تفسيرية“ أي نحكم عليها بأنهم سمعوها من النبي ﷺ بقصد البيان لا بقصد تلاوة الوحي، مثلًا: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى – البقرة ٢٣٨) ثم إضافة (وصلاة العصر)،[29] والزيادة هنا ليست قرآنًا بل هي فقط تأكيد من النبي ﷺ على صلاة العصر، و(فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) بدلًا من (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن – النساء ٢٤)،[30] والزيادة ليست قرآنًا بل تشير إلي نكاح المتعة الذي كان خطوة في التحريم التدريجي للزنا واستقرار تشريع الزواج كما سيأتي، وزيادة: (خمس رضعات معلومات يحرمن)[31] المتعلقة بحكم تحريم الأخوات من الرضاعة في سورة النساء، وهي أيضًا تشرح حد الرضاعة الذي تعتبر معه الأم أمًا من الرضاعة، ولم ترد كآية، وسيأتي ذكر قراءات معتمدة وشاذة في مواضعها. أما القراءات السبعة أو العشرة فلا ترادف بينها وبين الأحرف السبعة، أي أن الاختلافات بين القراءات هي مجرد مظهر من مظاهر الأحرف السبعة ولا يتساوى قارئ واحد بالضرورة مع حرف واحد، لأن رسول الله ﷺ دعا ربه أن يقرأ القرآن بأحرف أي وجوه للقراءة قاصدًا التيسير على أمته، فقد روى عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ على حَرْفٍ، فَلَمْ أزَلْ أسْتَزِيدُهُ حتّى انْتَهى إلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ)،[32] وفي رواية تدل على المقصد: (إنَّ اللهَ أمرني أن أقرأَ القرآنَ على حرفٍ، فقلتُ: اللهم ربِّ خفِّفْ عن أمتي)،[33] وفي رواية: (أسألُ اللَّهَ معافاتَهُ ومغفرتَهُ إنَّ أمَّتي لا تُطيقُ ذلِكَ)،[34] وهي خصيصة للقرآن دون ما قبله من الكتب المنزلة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: ”إنَّ القرآنَ نزلَ على نبيِّكمْ ﷺ من سبعةِ أبوابٍ على سبعةِ أحرفٍ وإنَّ الكتابَ قبلَهُ كانَ ينزلُ من بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحد“.[35]

إياك نعبد وإياك نستعين (5)

هذا أول موضع في القرآن الكريم لأسلوب الالتفات البلاغي البديعي، وهو هنا ضرب من الالتفات متفق عليه بين أهل البلاغة من العدول عن أسلوب غير المخاطب إلى أسلوب الخطاب المباشر، ويسمى غير المخاطب عادة ”الغائب“ ولا يصح في الحديث عن الله تعالى -كما نقرأ في بعض التفاسير- فالشهيد لا يغيب سبحانه. والالتفات من أنواع البديع في لسان العرب وله تعريفات بعضهم يحصرها في التحول من الخطاب المباشر إلى غير المباشر، أو عكسه كما في هذه الآية، وبعضها -وهو ما أخذنا به- يوسع الالتفات إلى الانصراف عن معنى في سياق الكلام إلى معنى آخر -كما عرفه عبد الله بن المعتز العباسي وهو أول من عرفه-،[36] وبالتالي نُدخل فيه العدول في نفس السياق بين أزمنة الفعل: ماض وحاضر ومستقبل، والعدول بين المفرد والمثنى والجمع، بل والعدول عن سياق موضوعي معين إلى غيره اعتراضًا ثم العودة إليه أو إلى غيره من الموضوعات، ولضروب الالتفات مقاصد متنوعة، وهو بالمعنى الواسع كثير في القرآن، وسنكتفي بالإشارة إلى المواضع التي نفهم مقصدًا من الالتفات فيها فنذكره.

ومقصد الالتفات هنا من الحديث عن الله تعالى إلى الحديث إليه -كما ذكر الزمخشري مثلًا- هو: التفنن في الكلام وتطرية لنشاط السامع وإيقاظها للإصغاء إليه، وهذه مقاصد الالتفات في عمومه، ولكن النظر إلى الفرق بين المعانى المذكورة قبل هذه الآية تحديدًا ثم وصلها بمعاني الآية يدلنا على مقاصد إضافية للالتفات هنا إضافة إلى التحسين البديعي، أولها تعظيم الملتفَت إليه بالخطاب إليه سبحانه بعد الحديث عن حمده وأبعاد رحمته وربوبيته للعالمين وملكه ليوم الدين، خاصة مع بدء الآية بـ(إياك) التي تفيد التخصيص، أي نخصك بالعبادة، ثم تكرار (إياك) مع (نستعين) يفيد زيادة في التعظيم والتمجيد، وثانيها، يقصد الالتفات في هذا الموضع إلى البدء بإدخال المتكلِّم التالي للقرآن في سياق التلاوة، وهو هنا متكلِّم بصيغة الجمع -أي نعبد ونستعين وليس أعبد وأستعين- قاصدًا إلى تعزيز الجماعية في مفهوم الإسلام للعبادة والاستعانة لا الفردية الانعزالية كما هو في الأديان الأخرى التي يبتدعها الناس، فالأصل في الصلاة التي تُقرأ فيها هذه الفاتحة هو الجماعة والاصطفاف من المصلين، وثالثها، أن الالتفات إلى الله تعالى بالخطاب والإقرار بالعبودية والاستعانة يقصد إلى التمهيد لما يأتي بعده من الدعاء، ولذلك ففي حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: (فَإذا قالَ: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدَي، وَلِعَبْدِي ما سألَ، فإِذا قال: اهْدِنا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ، قال: هذا لِعبْدِي، ولعَبْدِي ما سَأَلَ).[37]

والعبادة مفهوم مركزي ومقصد عظيم من مقاصد الإسلام، بل هو مقصد خلْق الناس أصلًا، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون – الذاريات ٥٦)، ولهذا يأتي ذكره هنا في هذا الموضع في قلب سورة الفاتحة في أول المصحف، والتعريف اللغوي للعبادة (ع ب د) بالخضوع والتذلل والطاعة هو مجرد مدخل لتعريف شامل وضروري لتصور للعبادة، والذي يتطلب بناء شبكة من المفاهيم حول المفهوم ودراسة التواصل والتكامل فيها والمعاني المتولدة عنها، والخروج بذلك من تعريف بِدْعي فردي سلبي -وهو الشائع- إلى تعريف صحيح جماعي متحرك تغييري -وهو المقصود-، ذلك لأن العبادة من المفاهيم التي انحرفت في عصرنا عن أصلها الشامل في كلام الله تعالى وسنة رسوله ﷺ واقتصرت في ثقافات المسلمين المعاصرة على الشعائر فحسب، والتي غالبًا ما يقصدها القارئ للآية (إياك نعبد) من المسلمين في دخيلة نفسه حين يقرأ، رغم أن المقصود بالعبادة أوسع وأشمل من الشعائر، فالشعائر وسائل لتحقيق العبادة في الواقع وليست هي تعريف العبادة، لأن العبادة في التصور الإسلامي القرآني تشمل كل مقاصد الإسلام وأخلاقه وأحكامه: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر – العنكبوت ٤٥)، (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور – فاطر ٢٩)، (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون – البقرة ١٨٣)، (وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون – البقرة ١٧٧)، وهكذا تؤدي الشعائر إلى التقوى والصلاح والإصلاح وإقامة القسط في الأرض بكل أبعاده وصوره ومستوياته، وهو تعريف العبادة الحقيقي.

وحين دعا الأنبياء أقوامهم لعبادة الله تعالى وحده (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره – الأعراف ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥، هود ٥٠، ٦١، ٨٤، المؤمنون ٢٣، ٨٦، وغيرها) لم يقصدوا الشعائر فحسب، بل قرنوا العبادة في نفس الدعوة بما تشمله من صور لإقامة القسط وإصلاح الأرض وتزكية النفوس، بادئين بالإشكاليات ذات الأولوية في كل قوم، أي الظواهر الكبري المتناقضة مع عبادة الله التي سادت في زمنهم ومجتمعهم وواقعهم، والتي هي نتيجة مباشرة للانحراف عن المفهوم الصحيح للعبادة، فقوم نوح لما ضيعوا عبادة الله وعبدوا الأصنام استكبر الأقوياء منهم على الضعفاء واسترذلوهم وظلموا وطغوا وفسقوا ومكروا واختلت معايير الخير والشرف إلى معايير العصبية والمال، فضلّوا عن اتباع الحق وأهله إلى اتباع من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا، وعاد قوم هود لما ضيعوا عبادة الله أنكروا نعم الله عليهم بالقوة والبسطة في الخلْق والعمران والأنعام وكثرة البنين والجنات والعيون، فأفسدوا في الأرض وبطشوا جبارين واعتدوا ظالمين واستكبروا قائلين من أشد منا قوة، وأُغرقوا في الترف يبنون آيات أي معالم شديدة الزخرفة فقط لتكون أماكن للعبث، واجتهدوا في الصناعة بهدف موهوم وهو تحقيق الخلود في هذه الدنيا، وضلوا كما ضل قوم نوح عن اتباع الحق وأهله إلى اتباع أمر كل جبار عنيد، وثمود قوم صالح ضيعوا عبادة الله بعد أن كادوا يهتدون، فأنكروا كذلك آلاء الله عليهم بتعليمهم طرق العمران ونحت الجبال وبناء القصور ورزقهم بجنات وعيون وزروع، واستكبر الأقوياء على الضعفاء، وأرادوا إخراج الرسل والمؤمنين بهم من الأرض التي ادعوها لأنفسهم كذبًا، وأسرفوا وأفسدوا في الأرض وعتوا عن أمر الله، واستكبروا عن اتباع بشر مثلهم ولو كان على الحق، ولوطًا لم ينفصل مفهوم العبادة التي دعا إليها قومه عن مفهوم الخلُق الحميد، فأمرهم بترك الشهوات المحرمة بإتيان الرجال شهوة من دون النساء، والإقلاع عن فعل الفواحش المستقذرة وكره التطهر وعمل السيئات والإسراف وقطع سبيل الآمنين بالاعتداء عليهم، وحين كفروا برسالة لوط لعبادة الله تعالى كفروا من ضمنها بما تشمله تلك العبادة من أقوال وأعمال وقيم، وموسى عليه الصلاة والسلام دعا فرعون وقومه إلى عبادة الله وما يشمله مفهوم العبادة من الكفّ عن الطغيان في البلاد والإفساد في الأرض باستضعاف طائفة بعينها وقتل أبنائهم ولو كانوا أطفالًا أبرياء، وتفريق الأهالي إلى شيع بغرض الاستعلاء في الأرض، وعقلية (ما أريكم إلا ما أرى) في أمور الشأن العام استبدادًا على خلق الله وتجبرًا، والتحالف مع البغاة المفسدين مثل قارون الذي كنز المال وهامان الذي تطاول في البنيان، وتوظيف الحاشرين في المدائن ينشرون الإعلام الكاذب ويزورون الحقائق، واستخف الناس الذين غلب عليهم الفسق بقلب القيم الحقيقية للعبادة والرزق والكرامة إلى قيم متوهمة للذهب والكنوز والمال والترف في العمران وزخرف القول غرورًا. وعيسى عليه الصلاة والسلام دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله ليس بالمعنى الذي كانوا يدّعون فيه التوحيد ويفسدون في الأرض في نفس الوقت، بل بمعنى تمثل العبادة في تصوراتهم وتصرفاتهم، حتى ينتهوا عن الاختلاف والاقتتال من بعد ما جاءتهم البينات، وأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وتحريف كلام الله عن مواضعه ونسيانه وكتمانه، وخيانة العهد وإيقاد نار الحرب بين الناس.

ومفهوم العبادة التي دعا إليها رسول الله محمد ﷺ لم يخرج عن سنن الأنبياء في شموله لمعالجة الظواهر السلبية في واقع الناس وليس فقط بتغيير القناعات الفلسفية أو إقامة الشعائر المجردة في مواسمها، وشمول العبادة لكل مناحي الحياة في دعوة الرسول ﷺ فهمته قريش جيدًا حتى الذين كفروا به، ويظهر ذلك من حديث أبي سفيان مع قيصر الروم -قبل فتح مكة أيام هدنة الحديبية- واصفًا له دعوة الرسول محمد ﷺ من خارج دائرة الإسلام ردًا على سؤال قيصر: فبم يأمركم؟ فقال: يأمُرُنا أنْ نعبُدَ اللهَ وحدَه، ولا نشركَ به شيئًا، ويَنْهانا عما كان يعبُدُ آباؤُنا، ويأمُرُنا بالصَّلاةِ، والصدقِ، والعَفافِ، والوفاءِ بالعهدِ، وأداءِ الأمانةِ، فرد قيصر على هذا بقوله: هذه صفةُ نبيّ.[38]

ولكن سوء فهم مفهوم العبادة ومصطلح العبادات أبعد أمة الإسلام عن هذا الشمول مع تطاول العصور وتحريف معنى الإسلام عن سنن الأنبياء وعن كونه مشروعًا إنسانيًا عمرانيًا يقوم الناس فيه بالقسط في هذه الدنيا، إلى تصويره كـ ”ديانة“ مثل الديانات الوضعية التي يعرفها الناس، تقتصر على مظاهر الشعائر وجدليات الفلسفة وطقوس الزواج، ولا تترجم إلى منهج حياة متكامل اقتصادي وسياسي واجتماعي وغير ذلك، وهي النظرة العلمانية للدين التي نجحت القوى الغازية لديار المسلمين في القرون الأربعة الماضية أن تنشرها بالغزو الفكري الذي واكب الغزو العسكري وبقي بعده إلى اليوم.

وبالتالي فتلاوة (إياك نعبد) اليوم لابد أن تتجاوز استحضار معنى الشعائر المجردة إلى استحضار تصور وتطبيق شامل لمقتضيات العبادة في عصرنا، وهو التعامل مع الظواهر السلبية التي تناقض العبادة فرديًا وجماعيًا فينوي القارئ للفاتحة أن يتعبد لله تعالى بتغييرها، والظواهر الإيجابية فيتعبد لله تعالى بدعمها وتنميتها. فبالإضافة لإياك نعبد شعائريًا لابد أن نتلو (إياك نعبد) سياسيًا واقتصاديًا وتعليميًا وقانونيًا وإداريًا وفنيًا وتقنيًا وعسكريًا ومعماريًا وطبيًا وهندسيًا وثقافيًا. (إياك نعبد) بالوضوء والصلاة والصوم والحج والعمرة، و(إياك نعبد) أيضًا بمكافحة الفقر والجهل والظلم والطغيان والقتل وتقطيع أوصال الأمة وقطع الرحم وتغيير خلق الله والإفساد في الأرض اجتماعيًا وبيئيًا. هكذا تكون قراءة الآية متسقة مع التصور الإسلامي القرآني السليم.

أما (إياك نستعين) فهي مفتاح آخر من مفاتيح التصور السليم، فالإنسان يطغى حين يظن بجهله أنه مستغن عن العون الإلهي، (كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى – القلم ٦-٧)، و(إياك نستعين) تذكر القارئ بفقره إلى الله تعالى وحاجته لمعونته في كل الأمور، سواء في تحقيق متطلبات العبادة التي تشير إليها (إياك نعبد) أو قضاء الحاجات الأخرى دنيوية كانت أو أخروية. والاستعانة بالرب الكريم سبحانه يلزمها قدر من الرجاء في رحمته وفضله، وهو حال قلبي لا ينبغي أن يؤثر فيه حال العبد أيًا كان، بل كلما زاد علم العبد بضعفه وتقصيره وعيوبه وانقطاع أسبابه كلما زاد رجاؤه وتعززت استعانته بالله تعالى لا العكس، ولكن هذا الرجاء لا يصح أن يتحول إلى أمن من مكر الله تعالى وحسابه وجزائه، بل يتوازن الرجاء في الاستعانة مع الخوف من الحساب كما تذكرنا به الآية قبلها: (مالك يوم الدين).

اهدنا الصراط المستقيم (6)

 

هنا يأتي الدعاء الذي قُصد أن يدعو به المسلمون صباح مساء، الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم، والهداية والصراط والاستقامة معان قرآنية جامعة تشمل أبعادًا مختلفة. أما معنى الهداية، فليس هناك داع في عصرنا لإحياء السجالات بين المفسرين لهذه الآية وما في معناها وتساؤلهم: هل الهداية هي الإرشاد أو البيان أو المعونة أو التوفيق أو الإلهام، إلى آخر ما اختلفوا عليه، إذ أن خلافاتهم حول هذه المعاني والمواقف الحادة التي اتخذوها كانت تعود إلى تحيزاتهم إلى مذاهب ومشارب الفرق الإسلامية المختلفة في قضية الاختيار والقدر، بين الذين تمركزت رؤيتهم حول مبدأ حرية الإنسان في الاختيار وصاغوا بناء عليه مفهوم ”الكسب“ الكلامي ليؤيدوا رأيهم، وبين الذين تمركزت رؤيتهم حول مبدأ خلق الله تعالى لكل شيء وصاغوا مفهوم ”القدر“ الكلامي ليؤيدوا رأيهم، وكلا المبدأين صحيح وكلا المفهومين عليه أدلة من النصوص الشرعية، ويمكننا أن نقبل الرأيين معًا مادمنا لا ننحرف إلى طرف من الغلو في أي منهما، فالإيمان بالحرية الإنسانية مشرب إسلامي أصيل وصحيح ما دام لا يوصّل الإنسان إلى الانتقاص من قدرة الله تعالى حاشاه وأنه خالق كل الاختيارات التي قد يختارها أو لا يختارها الإنسان سواء سميناها كسبًا كما في الآية (ثم توفى كل نفس ما كسبت) أو خلْقًا كما في: (وتخلقون إفكًا) و(فتبارك الله أحسن الخالقين)، ولا مشاحة في الاصطلاح هنا، والانتقاص من قدرة الله تعالى حاشاه سبحانه لم أجد من اعتقد به أبدًا من أهل ملة الإسلام من الفرق التي مالت إلى النزعة العقلية كالمعتزلة، ولا داعي للمزايدة واتهامهم بما يسمى بدعة القدر أو فرقة القدرية، فهي من خلال التحليل التاريخي كانت تهمة سياسية بامتياز ولا علاقة لها بأصل الإيمان، وهو موضوع طويل ذو شجون سوف تأتي أطراف منه في معرض الحديث عن موضوع طغيان الحكام وأولي الأمر والسؤال عن كيفية تقويمهم أو الخروج عليهم، وأيضًا ضمن موضوع تزوير المنتصرين للتاريخ ولو كان تاريخ الأنبياء والمصلحين.

وأما من تمركزت نظرتهم حول مبدأ خلق الله تعالى لكل شيء وأرادوا أن يتواضع العقل الإنساني فأنكروا أن يحسن العقل أو يقبح شيئًا إلا بنص الشرع وأمر الله تعالى، أو أن ”يخلق“ الإنسان شيئًا ولو على سبيل المجاز، فهم أيضًا أصحاب مشرب إسلامي أصيل وصحيح، ولا تبدو لي هذه المبادئ متناقضة بأي حال مع مبادئ المشرب الأول، بل هي مجرد نقاط ارتكاز مختلفة في النظريات المختلفة وكلّ يحاول أن ينزّه الله تعالى ويكرّم الإنسان، هذا ما دام مبدأ رد الخلق والأمر كله لله لا ينحرف إلى تأويل من الجبر أو الجبرية، أي أن ينكر الإنسان حريته في الاختيار للأصلح والأنفع وقدرته على تغيير المنكر والأمر بالمعروف، وجدير بالذكر أن نشير إلى أن هذا الانحراف قد استُغل سياسيًا لفرض الاستسلام على الجماهير المقهورة إبان إجهاض مشروع خلافة رسول الله ﷺ وإقامة الملك العضوض في النصف الثاني من القرن الأول الهجري على واقع من التغلّب ودعاوى من الجبرية، فينبغي الحذر هنا من الخلط بين الإيمان بالقدر خيره وشره وأن كل شيء عند الله في كتاب، وبين الانحراف إلى الإيمان بأن الإنسان مجبور لا حيلة له ولا مناص له من العيش في أجواء الظلم إذا جار عليه أصحاب السلطة وأن هذا هو مقتضى الإيمان بالقدر كما يزعم الزاعمون قديمًا وفي يومنا هذا.

وليس هناك داع كذلك للسجالات حول ما سماه بعض المفسرين ”تأويل“ الصراط المستقيم أي تحديد معناه بالضبط، فقد تساءل السائلون عن ماهية الصراط المستقيم تحديدًا: أهو القرآن أو الرسول ﷺ أو الإسلام أو الدين أو الطريق إلى الجنة أو غير ذلك؟ وهذا الولع من بعض المفسرين بالتحديد الحتمي لمعان كلها صحيحة ولم يُقصد فيها التحديد أصلًا هو ولع عجيب ودخيل على المنهج القرآني، بل هو من أثر الفلسفات القديمة وتصنيفاتها وثنائياتها الحدية المتوهمة، والصراط المستقيم على أي حال ليس طريقًا محسوسًا وإنما هو تعبير فيه استعارة بيانية، والاستعارة تقصد – كما تقصد أساليب البيان الأخرى من تشبيه وكناية ومجاز – إلى تصوير المعنى في صورة تؤثر في القلب وتطلق العقل للتفكر في معناها، فعن عبد الله بن مسعود: خَطَّ رسولُ اللهِ ﷺ خَطًّا بيَدِه، ثُمَّ قال: هذا سَبيلُ اللهِ مُستقيمًا، قال: ثُمَّ خَطَّ عن يَمينِه وشِمالِه، ثُمَّ قال: هذه السُّبلُ، ليس منها سَبيلٌ إلّا عليه شَيطانٌ يَدعو إليه، ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ – الأنعام: ١٥٣)،[39] فهنا الرسول الكريم ﷺ يبين هذه الاستعارة برسم توضيحي ويسكت عن تحديد ماهية هذا الصراط المستقيم أو تعريفه إلا بأن الانحراف عنه من دعوة الشيطان.

وإذا أردنا تفصيلًا لمعاني الهداية وما يقتضيه الصراط المستقيم وطبيعة دعوات الشيطان للانحراف عنه فإن في بقية القرآن علم جم لذلك، وهذا ما ينبغي لقارئ (اهدنا الصراط المستقيم) أن يستحضره، والذي ورد في معاني هداية الله تعالى للناس -على سبيل الإجمال- أن يجعل الرب الكريم لهم آيات أي منارات وعلامات ومعالم يهتدون بها، والقلب المؤمن السليم سوف يبحث عن هذه المعالم ويجد الهداية فيها، غير القلب الجاحد المعاند الذي اتبع هواه واتخذ شياطين الإنس والجن أولياء، فهؤلاء ظالمون لأنفسهم وللناس ولن تنفعهم آيات الهداية بل تزيدهم ضلالة، (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون – الأعراف ٣٠)، (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد – فصلت ٤٤)، (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين – القصص ٥٠).

والمنارات للهداية على الصراط المستقيم تشمل إرسال الكتب: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين – البقرة ٢)، فالقرآن هدى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم – الإسراء ٩)، (وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به – الجن ١٣)، والهدى يشمل الوحي عامة: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون – البقرة ٣٨)، والعلم منارة على الصراط المستقيم يهدي الله تعالى به عباده: (وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون – الجاثية ١٧-١٨)، والبيت الحرام حماه الله من كيد الكائدين من منارات الهدى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين – آل عمران ٩٦)، وكذلك التوراة والإنجيل – قبل التحريف – فيهما هدى ونور: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا – المائدة ٤٤)، (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور – المائدة ٤٦)، والقدوات من المؤمنين منارات هدى للناس: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده – الأنعام ٩٠)، (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى – يوسف ١١١)، وتشمل الهداية أيضًا ما ركّب الباري سبحانه وتعالى في خلقه من فطرة يعرفون بها أصول الحق والباطل والنفع والضر والخير والشر: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى – طه ٥٠)، والهداية -كما هو الحال في كل هذه المعاني- على درجات ومراتب، وكلما اجتهد المؤمن في تحصيل الهدى كلما زاده الله من فضله: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى – مريم ٧٦)، كل ما سوف يأتي في هذه الرحلة مع القرآن الكريم هو من باب الهداية على وإلى الصراط المستقيم.

وأما (الصراط المستقيم) الذي توجد عليه هذه المنارات والآيات، فهو السبيل أو المنهج الذي يسلكه السالكون ليوصلهم إلى أعلى الغايات وهي الفلاح في الدنيا والآخرة، ويلخص هذا المنهج مفاهيم جامعة، وهي في كتاب الله: عبادة الله: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم – آل عمران ٥١)، والاعتصام به: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم – آل عمران ١٠١)، والإيمان به: (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما – النساء ١٧٥)، واتباع أوامره ونواهيه: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه – الأنعام ١٥٢-١٥٣).

وقد يستغرب البعض هذا الكلام عن ”صراط مستقيم“ يهتم به الإنسان ويجتهد في البحث عن المعالم والآيات التي توصل إليه، ويسأل الله تعالى ليل نهار أن يهديه إليه وأن يحميه من الانحراف بهوى النفس أو وساوس الشيطان، وهذا الاستغراب سببه أن ثقافات المسلمين العامة -أي أعرافهم اللغوية والاجتماعية- قد بعدت كثيرًا عن لغة القرآن ومفاهيم الوحي التي هي في حد ذاتها حقائق مطلقة، فأضحت معايير النفع والخير والنجاح والسعادة معايير مادية وانكمشت في الوعي العام المعايير الحقيقية للنفع والخير والنجاح والسعادة كـ ”الصراط المستقيم“ الذي يهتم المسلم بالتزامه وينشغل بتحرّيه حتى يوصله إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، فأصبحت تلك المعاني  في الوعي العام وكأنها غير حقيقية أو لا يترتب عليها نتائج عملية، رغم أن الأصل أنها هي الحقائق وهي المصالح وهي محفزات العمل، وما سواها من ماديات وشهوات هي مجرد أوهام الحياة الدنيا: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور – آل عمران ١٨٥)، (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون – العنكبوت ٦٤).[40]

صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)

 

تصنيف الفئات من المقاصد القرآنية المنهجية ومن معالم التصور الإسلامي كما ذكرنا في المقدمات، وهو تطبيق مباشر للمفاهيم القرآنية على المجموعات والتصنيفات التي تتمثل فيها تلك المفاهيم بأبعادها المختلفة، وهذا أول تقسيم للفئات في القرآن بين أتباع تلك السبل الثلاثة: فئة التزمت الصراط المستقيم بنعمة الله وفضله، وفئة التزمت طرق الفساد الذي يغضب الله تعالى والعياذ بالله، وفئة ضلت فلا تعرف لها طريقًا والعياذ بالله.

أما الذين أنعم الله عليهم فالإشارة هنا إلى صفوة البشر ممن هداهم الله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا – النساء ٦٩)، ونعم الله تعالى لا تحصى، ولكن النعمة العظمى على البشر التي اختص بها بعض خلقه هي الهداية للإيمان به وعبادته: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين – الحجرات ١٧)، ولكي تتحقق هذه الهداية فالله تعالى ينعم على الناس بإرسال الآيات: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب – البقرة ٢١١)، فهذا صراط الذين أنعم الله عليهم من المهتدين بآياته من الأنبياء وأتباعهم الذي يسأل القارئ للفاتحة ربه أنه يهديه إليه.

وأما المغضوب عليهم فالإشارة هنا إلى الذين يفعلون ما يستوجب غضب الله تعالى والعياذ بالله، كالكفر بعد الإيمان: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم – النحل ١٠٦)، وغضب الله بسبب الطغيان بعد الرزق: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى – طه ٨١)، وغضب الله على الذين يكفرون بالله ويجادلون ويماطلون بعد ما تبين لهم الحق: (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد – الشورى ١٦)، وقد ضرب لنا الله تعالى أمثلة من أفعال الذين كفروا من بني إسرائيل التي استحق من فعلها منهم غضب الله بسببها، منها الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء والعصيان والاعتداء: (وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون – البقرة ٦١)، ومنها التجرؤ على الاعتراض على فضل الله على عباده: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين – البقرة ٩٠)، وعبادتهم الأصنام بعد أن رأوا المعجزات: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين – الأعراف ١٥٢)، وغير ذلك من الموبقات. هذا هو سبيل المغضوب عليهم الذي يسأل القارئ للفاتحة ربه أنه يهديه أن يتجنبه.

وأما الضالين فالإشارة هنا إلى فقدانهم للطريق والتيه في دروب الحياة، وهؤلاء كفروا أيضًا ولكنه نوع مختلف من الكفر، منه أنهم اتبعوا الشيطان الذي قال: (ولأضلنهم ولأمنينهم – النساء ١١٩)، واتبعوا أهواء أئمة ضالين مضلين: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل – المائدة ٧٧)، (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله – التوبة ٣١)، (حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون – الأعراف ٣٨)، (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون – البقرة ١٧٠)، ومن الضلال التحاكم إلى الطاغوت: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا – النساء ٦٠)، وتشمل فئة الضالين الذين يستعيذ المؤمن من أن يكون منهم أهل النفاق: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا – النساء ٨٨)، (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا – النساء ١٤٣)، ثم يقرر القرآن حقيقة مقضية وهي أن أكثر الناس يقعون في فئة الضالين بل المضلين كذلك: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون – الأنعام ١١٦)، والعياذ بالله.

وقد ثبت من حديث النبي ﷺ عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه أنه قال: (اليهودُ مغضوبٌ عليهم والنَّصارى ضالُّونَ)،[41] وهذا الحديث عليه ملاحظتان منهجيتان، أولهما أن هذا لا يعني أنه ليس هناك مغضوب عليهم إلا اليهود ولا ضالين إلا النصارى، فالغضب والضلال لا يقتصر على اليهود أو النصارى، كما قد توهم رواية أخرى للحديث بدأت فيها الجملة بالمغضوب عليهم والجملة الثانية بالنصارى: (المغضوبُ عليهم اليهودُ، والضّالُّون النَّصارى)،[42] ومعروف أنه من غير هاتين الفئتين مغضوب عليهم وضالون، بل من الذين ينتسبون إلى الإسلام من ضل وأضل بدءًا من المعاصي وانتهاء بالردة عن عبادة الله تعالى، (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون – البقرة ٢١٧)، ومن الذين ينتسبون إلى الإسلام من قد غضب الله عليهم، وذلك مثلاً في قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما – النساء ٩٣)، وما أكثرهم خاصة من الحكام الطواغيت اليوم.

والملاحظة الثانية أن فئة أهل الكتاب مركبة وليس كل من انتسب إليهم يلزم أن يكون من الكفار أو المغضوب عليهم أو الضالين، بل إن منهم مسلمين ولو انتسبوا إلى الذين هادوا أو إلى الذين قالوا إنا نصارى، والأمر يحتاج إلى تفصيل يأتي في ثنايا تفسير الآيات ذات الصلة، مثل قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون – البقرة ٦٢).

وفي الحديث الطويل لقصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه إضاءة واضحة على تلك الفئات، إذ حكى عن حواره مع رسول الله ﷺ في بداية إسلامه فقال: (سألتُهُ يومًا عن دينِ النَّصارَى فقالَ: لا خيرَ فيهم، فوقعَ في نفسي من أولئكَ الَّذينَ صحِبتُهم ومن ذلكَ الرَّجلِ الصَّالحِ الَّذي كانَ معيَ ببيتِ المقدسِ فدخلني من ذلكَ أمرٌ عظيمٌ … ثمَّ قالَ ﷺ : يا سلمانُ أولئِكَ الَّذينَ كنتَ معهم وصاحبُكَ لم يكونوا نصارَى كانوا مسلمينَ، فقلتُ يا رسولَ الله والَّذي بعثكَ بالحقِّ لهوَ أمرني باتِّباعِكَ فقلتُ لهُ فإنْ أمرني بتركِ دينكَ وما أنتَ عليهِ قالَ نعَمْ فاترُكهُ فإنَّ الحقَّ وما يُرضِي اللَّهَ فيما يأمرُكَ)،[43] فسلمان رضي الله عنه سمع من رسول الله ﷺ أن دين النصارى لا خير فيه، فلما راعه أن الذين كانوا سببًا في هدايته كانوا يطلقون على أنفسهم نصارى بيّن له ﷺ أنهم كانوا ”مسلمين“، ولو نسبوا أنفسهم إلى النصرانية كفئة اشتهروا بها، وسوف يأتي مزيد تفصيل وتحليل تفسيري وتاريخي في مواضعه.

وهناك مقاصد من تقسيم الفئات في التصور الإسلامي بدءًا من هذا التقسيم في سورة الفاتحة، منها بناء الهوية السليمة حين ينتمي المؤمن للفئات المهتدية ويتبرأ من الفئات التي انحرفت عن سواء السبيل، ومنه بناء الوعي بالواقع حتى تكون التصنيفات القرآنية حاكمة فيه على التصنيفات المستحدثة، ومنه كذلك بناء الوعي التاريخي والتقييم الصحيح لفئاته وجماعاته في صعودهم وهبوطهم، وسوف يأتي في سياقاته كيف أن تقسيم الفئات في القرآن ليست فئات بشرية فقط، بل القرآن يصحح -منهجيًا- الرؤى التي تتبنى مركزية الإنسان في الوجود ويبني رؤية الوجود على مركزية التوحيد، فهناك فئات قرآنية غير بشرية كالجن والملائكة والشياطين من غير الإنس، بل وكذلك تصنيفات لفئات الدواب والطير والجبال والنجوم والكواكب وغيرها من الأحياء الواعية كما سيأتي في مواضعه.

آمين

ثم من السنّة أن يختم القارئ للفاتحة بلفظة (آمين) بمعنى استجب وجذرها (أ م ن)، حيث يبدأ بصوت الهمزة ليعبر عن معنى الضغط والتأكيد، ثم يعبر صوت الميم عن تضام في الظاهر، وصوت النون عن امتداد باطني، فيعبر التركيب عن معنى من الوثاقة في الباطن، ومنه الأمن ضد الخوف والأمانة الوديعة والإيمان توثق التصديق في القلب، وكلمة آمين بمعنى الطلب المخلص بالاستجابة، وهي تشترك مع كل هذه المعاني في معنى التوثق والتمكن،[44] وأصل الكلمة من اللغة الإنسانية الأولى أي اللغة العربية الأم، وهو سر وجودها في جل اللغات المعروفة بنفس الأصوات والمعنى، فمن المعلوم من القرآن أن الناس كانوا أمة واحدة في مبدأ أمرهم ثم اختلفوا واختلفت معهم لغاتهم وأعراقهم وشعوبهم، ولغة الإنسان الأم لم تكن ”بدائية“ أو ”بروتو“ كما ينطقونها باللاتينية في بعض النظريات المعاصرة للغة، ويعنون بها شبه لغة مكونة من أصوات بدائية يدّعون أنها قريبة من لغة القرود ثم تطورت مع التاريخ إلى اللغات الإنسانية، فقد علّم الله تعالى آدم الأسماء كلها وهذه الأسماء ليست أصوات بدائية بل هي لغة كاملة ذات نظام مركب، كما سيأتي البيان في موضعه، والعربية -كما استنتج المحققون من أهل اللغة-[45] هي أقدم وأوسع اللغات المعروفة اليوم وأقربها نسبًا بتلك اللغة الأم، ووصلت (آمين) من العربية الأم إلى كل اللغات القديمة كالقبطية والآرامية ولغات اليمن وحمير القديمة والعبرانية وغيرها، وهي ليست كلمة عبرية الأصل كما يُدعى بل هي في كل تلك اللغات التي هي أقدم من العبرانية القديمة دون مراء، وسيأتي مزيد من التحليل لعلاقة اللغات القديمة باللغة العربية الأم التي علَّم الله آدم بها الأسماء، وذلك في مواضع مختلفة من دراسة التنزيل الحكيم.

وسورة الفاتحة في حد ذاتها رقية تُقرأ ويقصد بها الشفاء فيشفى المريض بإذن الله، فقد ورد عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَثَه على سَريَّة، فمَرَّ بقَريةٍ، فإذا ملِكُ القَريةِ لَديغٌ، قال فسَألْناهم طَعامًا فلمْ يُطعِمونا ولم يُنزِلونا، فمَرَّ بنا رَجُلٌ من أهلِ القَريةِ، فقال: يا مَعشَرَ العَرَبِ، هل منكم أحدٌ يُحسِنُ أنْ يَرقيَ؟ إنَّ الملِكَ يَموتُ، قال أبو سَعيدٍ: فأتَيتُه فقَرَأْتُ عليه فاتحةَ الكِتابِ؛ فأفاقَ وبرَأَ، فبعَثَ إلينا بالنُّزُلِ وبعَثَ إلينا بالشّاءِ، فأكَلْنا الطَّعامَ أنا وأصحابي، وأبَوْا أنْ يَأكُلوا منَ الغَنَمِ حتى أتَيْنا رسولَ اللهِ ﷺ فأخبَرتُه الخَبرَ، فقال: وما يُدريكَ أنَّها رُقْيةٌ؟ قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، شيءٌ أُلقيَ في رُوعي، قال: فكُلوا وأطعِمونا منَ الغَنَمِ،[46] وورد كذلك استخدامها في رقية معتوه قرأها عليه علاقة بن صحار التميمى ثلاثةَ أيامٍ غُدْوةً وعَشِيَّةً فبرئ.[47]

والرقية بالفاتحة وغيرها تتصل بمفهوم المرض، إذ أن النظرية السائدة للمرض والبرء تتعلق بمفهوم مادي كيميائي للإنسان، يعرف فيه المرض عن طريق أجسام خارجية مثل البكتيريا أو الفيروسات، أو داخلي كعدم ”انتظام“ في نسق الجينات أو توليد الخلايا أو مكونات الدم، إلى آخره، وهذا التعريف له وجاهة وهو جزء من الحقيقة، ولكن نصوص الوحي الإلهي في المرض والشفاء تدلنا على أن تعريف المرض الكيميائي هو تعريف جزئي لا يحيط بأبعاد المرض والشفاء كما نراها في ظواهر كثيرة معيشة وملموسة ومنها الرقية، وأن التواصل بين الراقي والمرقي هو في بُعد مختلف عن الأبعاد المادية وحتى الأبعاد النفسية الشعورية للإنسان، فالشفاء هنا ليس إيحاءًا نفسيًا كما يُدّعى في النظريات التي تنكر ذلك البعد غير المادي، بل الدليل يدل على أثر علاجي مباشر للفاتحة وغيرها من الرقى على المريض، وسيأتي مناقشة أصول هذه النظريات ببعض التفصيل في مواضعها إن شاء الله

[1] قال الذهبي في العلو ٣٠: مشهور وافر الطرق، مصنف ابن أبي شيبة ٢/١٥٠، البزار ٧٥٢٧، الطبراني في الأوسط ٢٠٨٤.

[2] قال الطبراني في المعجم الأوسط ٣/٢٤٤: لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا حريث ولا عنه إلا يزيد بن عطاء.

[3] رُويت هذه الألفاظ في الروايات الضعيفة حديثيًا، والروايات الصحيحة لفظها: ”فَإِذَا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي وحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ“ – البخاري ٤٧٥٠، مسلم ٢٧٧٠، وغيرهما.

[4] من حديث هشام بن حبيش بن خويلد، قال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣/٥٤٣: صحيح الإسناد.

[5] الخطبة ١٤٦، ثم ٢١٦، ثم باب الحكَم.

[6] أوردها الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٦٧٧، وقال: فيه محمد بن عيسى بن كيسان ذكر من جرحه، وأخرجها أبو يعلى كما في المطالب لابن حجر ٢٣٧٥ عن ثقات إلا هو، قال الدارقطني: ضعيف ووثقه بعضهم، وروى عنه مسلم بن إبراهيم، وسهل بن حماد.

[7] ابن حبان ١٧٩٢، أبو داود ٢٩٩٩، ابن خزيمة ٣/٩١، واحتج به ابن حزم في المحلى ٣/٢٣٦، وقد قال في المقدمة: لم نحتج إلا بخبر صحيح من رواية الثقات مسند.

[8] من حديث المِسْوَر بن مَخرَمة عن النبي ﷺ: )إنِّي رَسولُ الله، ولَسْتُ أعْصِيهِ وهو نَاصِرِي( – البخاري .٢٧٣١

[9] من حديث عبدالله بن عمرو، سنن أبي داود ٤٩٤١، الترمذي ١٩٢٤، أحمد .٦٤٩٤

[10] من حديث جندب، قال الحاكم في المستدرك ٥/٣٥٣: صحيح الإسناد.

[11] عن أبي هريرة قال ﷺ: إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا مِئةً إلّا واحدًا إنَّه وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ هو اللهُ الَّذي لا إلهَ إلّا هو الرَّحمنُ الرَّحيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ العزيزُ الجبّارُ المُتكَبِّرُ الخالقُ البارئُ المُصَوِّرُ الغفّارُ القهّارُ الوهّابُ الرزّاقُ الفتّاحُ العليمُ القابضُ الباسطُ الخافضُ الرّافعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّميعُ البصيرُ الحكَمُ العَدْلُ اللَّطيفُ الخبيرُ الحليمُ العظيمُ الغفورُ الشَّكورُ العَلِيُّ الكبيرُ الحفيظُ المُقيتُ الحَسيبُ الجليلُ الكريمُ الرَّقيبُ الواسعُ الحكيمُ الودودُ المَجيدُ المُجيبُ الباعثُ الشَّهيدُ الحقُّ الوكيلُ القويُّ المَتينُ الوَلِيُّ الحميدُ المُحصي المُبدِئُ المُعيدُ المُحيي المُميتُ الحيُّ القيُّومُ الواجدُ الماجِدُ الواحدُ الأحَدُ الصَّمدُ القادرُ المُقتَدِرُ المُقدِّمُ المُؤخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظّاهرُ الباطنُ المُتعالِ البَرُّ التَّوّابُ المُنتقِمُ العَفوُّ الرَّؤُوفُ مالِكُ المُلْكِ ذو الجَلالِ والإكرامِ المُقسِطُ المانعُ الغَنِيُّ المُغْنِي الجامعُ الضّارُّ النّافعُ النُّورُ الهادي البديعُ الباقي الوارثُ الرَّشيدُ الصَّبُورُ – صحيح ابن حبان ٨٠٨، والجملة الأولى من الحديث رواها البخاري ومسلم وغيرهما وصحت، ولكن الأسماء التسعة وتسعين الواردة هنا تفصيلًا لم تثبت حديثيًا، بل شك عدد من المحدثين أنها إدراجات من الرواة وجزم بذلك بعضهم، وهو ما نميل إليه نظرًا لتعدد الروايات لنفس الحديث مع اختلاف الأسماء وترتيبها. راجع حجاجهم في: البوصيري في الزوائد، والبيهقي في الأسماء، وابن تيمية في مجموع الفتاوى، وابن كثير في تفسيره، وابن حجر في الفتح، والصنعاني في سبل السلام، وغيرهم.

[12] من حديث أبي هريرة – مسلم ٢٧٥١، البخاري .٣١٩٤

[13] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة، ٢٠١٠، حرف الباء.

[14] من أمثلة ذلك الآيات التالية، ويقاس عليها مثيلاتها من الآيات التي ورد فيها لفظ ”الرحمن“: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم – البقرة ١٦٣، وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو – الرعد ٣٠،قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن – الإسراء ١١٠، قالت إني أعوذ بالرحمن منك – مريم ١٨، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن – مريم ٤٥، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا – مريم ٥٨،ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا – مريم ٦٩، أم اتخذ عند الرحمن عهدا – مريم ٧٨، إلا آتي الرحمن عبدا – مريم ٩٣، الرحمن على العرش استوى – طه ٥، قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن – الأنبياء ٤٢، وربنا الرحمن المستعان – الأنبياء ١١٢، وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن – الفرقان ٦٠، وعباد الرحمن – الفرقان ٦٣، إن يردن الرحمن بضر – يس ٢٣، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون – يس ٥٢، ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا – الزخرف ٣٦، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب – ق ٣٣، رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا -النبإ ٣٧، إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا – النبإ ٣٨. وعن عبدالله بن عمرو: الرّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ، ارْحَموا أهلَ الأرضِ يَرحَمْكم أهلُ السَّماءِ، والرَّحِمُ شُجنَةٌ مِن الرَّحمنِ، مَن وصَلَها؛ وصَلْتُه، ومَن قطَعَها؛ بَتَتُّه – شعيب الأرنؤوط (ت ١٤٣٨)، تخريج المسند ٦٤٩٤  •  صحيح لغيره، وعن النواس بن سمعان الأنصاري: ما منْ قلبٍ إلا وهوَ معلقٌ بينَ إصبعينَ منْ أصابعِ الرحمنِ – قال السيوطي في الجامع الصغير ٨٠٦٥: صحيح، وعن جابر بن عبدالله: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بنِ مُعاذ – أورده مسلم ٢٤٦٦ وغيره، إلى آخر المواضع.

[15] من أمثلة ذلك الآيات التالية: فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم – البقرة ٣٧، إنه هو التواب الرحيم – البقرة ٥٤، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم – البقرة ١٢٨، وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم – البقرة ١٤٣، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم – البقرة ١٧٣، فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم – البقرة ١٨٢، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم – البقرة ١٩٢، أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم – البقرة ٢١٨، فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم – البقرة ٢٢٦، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما – النساء ١٦، إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما – النساء ٢٣، وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم – النساء ٢٥، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما – النساء ٢٩، لوجدوا الله توابا رحيما – النساء ٦٤، ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما – النساء ١٠٠، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما – النساء ١٠٦، فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم – المائدة ٣، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم – المائدة ٧٤، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم – الأعراف ١٦٧، فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم – التوبة ٥، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم – التوبة ١٠٢، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم – التوبة ١١٧، بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم هود ٤١، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم – الحج ٦٥، وتوكل على العزيز الرحيم – الشعراء ٢١٧، لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما – الأحزاب ٥٠، نزلا من غفور رحيم – فصلت ٣٢، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم – التغابن ١٤، وعن عبدالله بن عمر: كنت جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ فسمعتُه استغفرَ مائةَ مرةٍ ثم يقولُ اللهمَّ اغفرْ لي وارحمْني وتبْ عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيمُ – قال أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد ٧/١٩٠: إسناده صحيح، وعن عبدالله بن عباس: إنَّ ربَّكم تبارك وتعالى رحيمٌ من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كُتِبَتْ لهُ حسنةٌ فإن عملها كُتِبَتْ لهُ عشرةٌ إلى سبعمائةٍ – قال شاكر في تعليقه مسند أحمد ٤/١٧٩:  إسناده صحيح، إلى آخر المواضع.

[16] ويضاف إلى ذلك تأسس معنى الكلمة الأصلي على معاني الأصوات التي تشكل الكلمة. راجع معاني أصوات (ر ح م) على الترتيب في: محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة، ٢٠١٠، ر ح م.

[17] من حديث جابر بن عبدالله، ابن ماجه ٣/٣٢٩ بسند صحيح

[18] من حديث عبدالله بن عمرو، قال المنذري في الترغيب والترهيب ٤/٣٢٢: إسناده حسن، الطبراني ١٣/٤٥٥، ١٤٣١٥

[19] رواه ابن الأثير في خطبة “النهاية” أن عليًا بن أبي طالب رضي الله عنه سمع رسول الله ﷺ يخاطب وفد بني نَهد فقال: يا رسول الله: نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد)، وأخرج نحوه في حوار مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ابن عساكر من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن الزَّهري عن أبـيه عن جدِّه في الدرر المنتثرة، ولم يصححه من أهل الحديث فيما وصلت إليه في بحثي إلا أبو الفضل بن ناصر البغدادي الحافظ، والآخرون حكموا عليه بالضعف مع الإقرار بصحة المعنى، ويرويه فقهاء الجعفرية كثيرًا ولكن دون تعامل مع السند فيما أعلم.

[20] صححه المنذري في الترغيب والترهيب ١/٨٠، وأخرجه البزار ١٦٩ واللفظ له.

[21] قال ابن كثير في تفسيره ٨/١٠٤: ثابت.

[22] من حديث أبي هريرة، رواية ابن حبان ٧٣٦٣، وأخرجه مسلم.

[23] من حديث أبي هريرة، قال ابن كثير في تفسير القرآن ٣/٢٧٦: غريب جدا، شاكر في عمدة التفسير ١/٧٧٢: إسناده صحيح

[24] من حديث أبي ذر، صححه العراقي في تخريج الإحياء ١/٣٧٥، النسائي ١٠١٠، ابن ماجه ١٣٥٠، أحمد ٢١٣٢٨.

[25] من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة في التوحيد ١٧٢/١.

[26] من حديث أبي سعيد، مسلم ١٧٢٨.

[27] من حديث عمر، البخاري ٢٤١٩، مسلم ٨١٨، أبو داود ١٤٧٥، الترمذي ٢٩٤٣.

[28] من حديث جندب بن عبد الله، البخاري ٥٠٦٠، مسلم ٢٢٦٧.

[29] عن عمرو بن رافع قال: كنتُ أكتبُ مصحفًا لحفصةَ فقالت: إذا بلغتَ هذهِ الآيةَ فآذِنِّي، فأملتْ عليَّ: حافِظُوْا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الْوُسْطى وَصَلاةِ الْعَصْرِ – قال ابن حجر في فتح الباري ٨/٤٥: روي من وجه آخر حسن.

[30] عن عطاء بن أبي رباح: قال ابنُ عبّاسٍ: (في حرفِ أُبَيٍّ: إلى أجلٍ مُسمًّى) – قال ابن عبد البر في التمهيد ١٠/١١٣: صحيح.

[31] عن عائشة أم المؤمنين: أُنزِلَ في القُرآنِ: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعلوماتٍ. ثم أُنزِلَ: خَمسٌ مَعلوماتٌ – قال الأرنؤوط في تخريج مشكل الآثار ٤٥٦٨: إسناده صحيح على شرط الشيخين. قلت: ”القرآن“ هنا القصد منه هو حكم القرآن وليس نص القرآن المستقر.

[32] من حديث عبد الله بن عباس، البخاري ٣٢١٩، ٤١٩٩، مسلم ٨١٩.

[33] أخرجه الطبري في تفسيره ١/٣٧.

[34] أبو داود ١٤٧٨: صحيح.

[35] من حديث ابن مسعود، قال شاكر في تعليقه على مسند أحمد ٦/١٢٦: إسناده صحيح.

[36] راجع: أبو العباس عبد الله بن المعتز، كتاب البديع، نشر مؤسسة الكتب الثقافية ببيروت، د. ت.

[37] من حديث أبي هريرة، مسلم ٣٩٥.

[38] هذه رواية أحمد، قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٢٣٧٠: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في: البخاري ٢٩٤١، مسلم ١٧٧٣، النسائي في السنن الكبرى ١١٠٦٤، أبو داود ٥١٣٦، الترمذي ٢٧١٧، أحمد ٢٣٧٠.

[39] قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٤٤٣٧: إسناده حسن، النسائي في السنن الكبرى ١١١٧٤، أحمد ٤٤٣٧.

[40] يمكن للقارئ الذي يود الاستزادة أن يتبع الإحالات إلى الآيات المذكورة ذات الصلة ويقرأ ما كتبناه عندها تعليقًا عليها.

[41] رواية الترمذي ٢٩٥٤، أحمد ١٩٤٠٠، الطيالسي في مسنده ١١٣٥، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان ٢/٤١٧: ثابت.

[42] رواية ابن حبان ٦٢٤٦.

[43] جزء من حديث طويل رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٢/٢٩٢ وقال: فيه غرابة كثيرة وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسنادا وأحسن اقتصاصا وأقرب إلى ما رواه البخاري.

[44] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، ٢٠١٠، أ م ن.

[45] راجع مثلًا: سعد الدين أبو الحَب، جذور الكتابة العربية الحديثة: من المسند الى الجزم، نشرت بالانكليزية في جزئين في المجلة الفصلية الصادرة صوت داهش، نيويورك، عدد ٥٠-٥١، ٢٠٠٩م. إبراهيم فرشوخ، العربية أقدم اللغات وأكثرها صمودًا، منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، بيروت iijazforum.org، وراجع البحث التأسيسي: العربية القديمة كأصل للكلام وأم للغات الهندو-أوروبية للدكتورة تحية إسماعيل، ويأتي قريبًا وفي ثنايا التفسير اهتمام خاص بموضوع أصلية العربية:

  1. A. Ismail, Classic Arabic as the Ancestor of Indo-Europian Languages and Origin of Speech, Cairo: Al-Ahram Press, 1989

[46] قال الأرنؤوط في تخريج سنن الدارقطني ٣٠٣٧: صحيح.

[47] قال الأرنؤوط في تخريج سنن أبي داود ٣٩٠١: إسناده صحيح.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة