سورة البقرة
الخيوط الناظمة لمقاصد السورة
نعرض في هذه المقدمة لسورة البقرة خلاصة الخيوط الناظمة لمقاصدها، ونظرًا لطول السورة وتشعبها فسنقدم تلك الخلاصة من خلال عناصر المقاصد المنهجية السبعة التي استخلصناها من الدراسة المنهجية التأسيسية، كما ذكرناها في المقدمات، وهي: تحقيق المقاصد، وتصحيح المفاهيم، وتصنيف الفئات، ومراعاة السنن الإلهية، والتأسي بالقيم، وإقامة الحجج، والتزام الأوامر والنواهي.
أولًا: تحقيق المقاصد: قد أحصينا نحو أربعمائة موضع في تعليقاتنا على آيات هذه السورة المائتين وستة وثمانين، ذكرنا فيها مقصدًا أو أكثر من معاني المقاصد، سواء المقاصد المنصوص عليها بما يدل على الغاية أو الحكمة في اللسان العربي مثل ما تشير إليه لام التعليل ولعل وكَي وغيرهن، أو المقاصد المتعلقة بتركيب الحروف أو الكلمات أو الجمل تركيبًا معينًا دون سواه لغاية معينة، أو المستنبطة من ضروب الالتفات البلاغي والحذف والتكرار والفصل والوصل والقصر والتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والتعريض والاستفهام، إلى آخر ضروب البديع والبيان والمعاني، أو الغايات المستنبطة من وراء التصريح بالأوامر والنواهي أو تصنيف الفئات أو تصحيح المفاهيم أو ضرب الأمثال أو قص القصص أو الحديث عن الآخرة، إلى آخر ألوان التعبير عن المقاصد في القرآن الكريم. وقد تولّد لدينا من النظر إلى التيار العام الذي تصب فيه روافد المقاصد الجزئية التي دلت عليها الآيات أن المقصد العام من هذه السورة هو: التأسيس لقيام أمة إسلامية تستلم راية القيادة للبشرية على طريقة الأنبياء، أمة رائدة، بوسطيتها وشهادتها على الناس وقيامها بالقسط وحملها لراية التوحيد، بعقيدتها وشريعتها، بعباداتها ومعاملاتها، باقتصادها وسياستها وقانونها وثقافتها وفنونها وعمارتها وزراعتها ومياهها وحروبها، بنسبها إلى سلسلة أنبياء الإسلام منذ آدم أبو البشرية إلى محمد ﷺ، مرورًا بأولي العزم منهم كما ذُكروا في السورة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، أمة رائدة بنظام شعائرها وزواجها وتجارتها وديونها وصدقاتها، بموقفها الخاص من التاريخ والكون والأرض والسماء والبحر والرياح والإنسان والحيوان. التأسيس لقيام الأمة الإسلامية قائدة وشهيدة على الناس هو ما بدا لنا كمقصد عام للسورة تصب فيه روافد المقاصد الفرعية المذكورة بكافة مستوياتها على مدار السورة.
ومن أبرز المعاني المقاصدية الفرعية التي ظهرت لنا كحباتِ نظْم تتخلل الآيات على مدار السورة، كما نشير إليها في مواضع كثيرة من التعليقات على الآيات الكريمة، ما يلي: الإيمان، التوحيد، الهدى، التقوى، الإصلاح، الاستخلاف، العمران، التوبة، العلم، البر، العدل، الشكر، الموعظة، البيان، التيسير، الإحسان، القبول من الله، التزكية، تمام النعمة، محبة الله، الشكر، الاستجابة، الرشد، السلم، الاطمئنان، الازدياد في الخير، وغيرها مما سيأتي في مواضعه من الآيات.
ثانيًا: تصحيح المفاهيم: عدد كلمات السورة التي تزيد على ستة آلاف ومئة كلمة يمكن أن نحصي منها مئات الكلمات التي تمثل مفاهيم قرآنية مستقلة، إلا أننا في سياق مقصد تصحيح المفاهيم نذكر منها تاليًا نحو مائة بدا لنا أنها تدل على المعاني المركزية في السورة، مع ما لها من أثر في تحقيق مقاصدها، وتمثل جزءًا معتبرًا من المنظومة العامة للمفاهيم القرآنية: الأسماء الحسنى الواردة في السورة، الكتاب، الإيمان، الغيب، الإنفاق، الرزق، الآخرة، القلب، السمع، البصر، المرض، العلم، التجارة، الشراء، البيع، الربا، الموت، الأرض، السماء، الجنة، النار، العمل، عهد الله، الميثاق، الاستواء، الأسماء، الشهادة، الغيب، السجود، الركوع، التلاوة، الشفاعة، العقل، العفو، التحريف، البيان، الآية، السحر، الثواب، الخير، النسخ، المسجد، الإبداع، الأمر، الابتلاء، المناسك، الكسب، صبغة الله، القبلة، الهوى، الخشية، التصريف، التسخير، التبرؤ، الحلال، الطيب، الاضطرار، القصاص، رمضان، الأشهر الحرم، المرض، السفر، الرفث، الاعتكاف، الحرث، النسل، العفو، الحيض، الطهر، اليمين، الإيلاء، القرء، حدود الله، الفدية، النكاح، الرضاعة، الخطبة، المتاع، المعروف، المساس، الولي، القرض الحسن، الملْك، الكرسي، الرياء، الحكمة، الفحشاء، النذر، المحق، رأس المال، الرهن، الأمانة، مما يأتي في مواضعه.
ثالثًا: تصنيف الفئات: بدأت السورة في آيتها الثانية بذكر فئة المتقين، ثم بالتقسيم الثلاثي للفئات حسب مواقف الناس من الإيمان بكتاب الله ورسول الله ﷺ، بين فئات المؤمنين والكفار والمنافقين، ثم تتابع ذكر الفئات من كل المخلوقات في بقية السورة، مثل: الرسل، الأنبياء، المنفقون، الموقنون، المفلحون، الناس، السفهاء، العلماء، التجار، آكلو الربا، الصالحون، الملائكة، الجن، الشياطين، المستكبرون، بنو إسرائيل، العالمون، الخاشعون، المحسنون، الأميون، المؤيدون بروح القدس، الفاسقون، أهل الكتاب، المحسنون، اليهود، النصارى، أصحاب الجحيم، العابدون، المخلصون، كاتمو الشهادة، الظالمون، الممترون، الصابرون، المهتدون، اللاعنون، المعتدون، حاضرو المسجد الحرام، الأقربون، اليتامى، المساكين، أبناء السبيل، المشركون، المطلقات، القانتون، الطاغوت، الكتّاب، الشهداء، الرجال، النساء، وغيرها مما سيأتي في مواضعه من الآيات، ونناقش تقاطعاتها وتجلياتها في واقعنا المعيش.
رابعًا: مراعاة السنن الإلهية: سورة البقرة ليست من السور التي يُذكر فيها حرفيًا لفظ السنن أو سنة الله، إلا أنه يمكن للمتدبر الباحث في آياتها أن يستنبط سننًا إلهية تمثل قوانين حاكمة في العوالم الكونية والاجتماعية، مثل السنن المتعلقة بما يلي: الإنفاق وسيلة للرزق والفلاح، سلامة القلب شرط للانتفاع بالقرآن، عاقبة الكفر، الزوجية في كل شيء، الحياة في كل شيء، الحجة البالغة في كل الخلق، الصلات بين كل شيء، علم الله لكل شيء، الهدى أمان من الخوف والحزن، التوبة محلها في الدنيا، النصر، استبدال الادني بالخير يورث العقوبة، لعن الكافرين المعتدين، ابتلاء الرسل والصالحين قبل النصر، الإمامة بعد الابتلاء، الإيمان من الفطرة، خطوات الشيطان مضلة، الاختلاف من بعد العلم ضلال، وحدة أصل البشرية، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، دفع الله الناس بعضهم ببعض، التسخير بين المخلوقات، التذكر لأولي الألباب، وغيرها مما سيأتي في مواضعه من الآيات.
خامسًا: التأسي بالقيم: كنا قد قسّمنا القيم إلى ما يتعلق بالنفع في مقابل الضرر، والجمال في مقابل القبح، والأخلاق في مقابل الرذائل، ثم وجدنا من هذه المعاني في سورة البقرة الكثير، مثل أزواج معاني القيم التالية: الإيمان والكفر، اليقين والريب، الصدق والكذب، الإصلاح والإفساد، العلم والجهل، القدرة والعجز، الحياة والموت، الربح والخسارة، الحكمة والسفاهة، التوبة والتمادي، الرغد والفقر، التواضع والاستكبار، التقوى والفجور، الحق والباطل، العدل والظلم، الطاعة والمعصية، السرور والحزن، التعمير والخراب، الخير والشر، الاجتماع والتفرق، الود والحسد، البشرى والنذارة، التفضيل والتأخير، الأمن والخوف، الوسطية والجنوح، الحلال والحرام، الطيب والخبيث، اليسر والعسر، الزينة والزهد، النفع والإثم، الإمساك أو السراح، التراضي والعضل، البسط والقبض، الأمانة والخيانة، وغيرها مما سيأتي في مواضعه من الآيات.
سادسًا: إقامة الحجج: تعلّم الحجج من خلال آيات هذه السورة الكريمة هو استكشاف العلامات على حقيقة البراهين أو صحة المنطق، أو بلغة معاصرة: استكشاف أساليب التفكير السليم، وذلك بالنص أو الاستنباط لمواضع الحجج من قبيل الآية والسبب والبرهان والدليل والميزان وغيرها من المفاهيم المنطقية التي وردت في السورة. والحجة في ”الآية“ هي في غلبة المنطق السنني الإلهي على حسابات البشر، وكذلك في برهان التصميم، أو برهان التركيب المعقد، أي الشبكة المعقدة من الظواهر التي خلقها الله تعالى لتشكّل الآية، وذلك في تكامل محكم لا يمكن أن يحدث مصادفة ولا من خلال التفسير الذي تطرحه نظريات البشر القاصرة. والحجة في ”السبب“ هي أنه هو سبحانه الذي يقيم قانون السببية على أي حال. ثم إن منطق السببية والغائية متكاملان على خلاف ما يتوهمه بعض أهل الفلسفة، ولكن المنطق القرآني يركّب بين المنطقين ويجعلهما معًا حجتين متراكبتين في تفسير المخلوقات والأحداث وسنة الله تعالى في إيجادها. وقد استنبطنا كذلك من التحليل المنطقي للوحي ما يمكن وسمه حسب المصطلحات المنطقية المعاصرة بتعدد الأبعاد المنطقي، وذلك على معنيين، أولهما حجية تعدد الدرجات والمستويات بين النفي والإثبات، وثانيهما تعدد وجوه الحجج وموضوعات العبارات المنطقية، وهناك أيضًا توازن في منطق القرآن بين الكليات والجزئيات، ومنطقه التواصلي المقاصدي كما مر في المقدمات.
وأخيرًا في الاستنباطات المنطقية للحجج تأتي دروس الوحي في تحذيرنا من المغالطات المنطقية، ظهر منها في هذه السورة مغالطات: السببية الكاذبة، والطعن الشخصي، والجدلية الكاذبة، وشهرة الفكرة، والاستقواء بالسلطة على المنطق، وسد ذريعة واهية، والتماس المشاعر دون الحجج، والإنكار بحجة الجهل بالحجج، والدَّور، والتعميم الخاطئ، وغير ذلك من المغالطات.
سابعًا: التزام الأوامر والنواهي: إذا ضممنا ما في السورة من أوامر ونواهي مباشرة إلى ما يمكن أن يستنبط بمعنى الأمر أو النهي من السياق، لوصلنا إلى مئات الأوامر والنواهي التي حوتها السورة، مما يأتي كلّ في موضعه، وذلك في الأبواب أو الموضوعات التالية: ما يتعلق بالشعائر كالصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والذبائح والنذور وما إليها، ما يتعلق بعلاقة الإنسان بربه كالذكر والصلاة والاستعانة والصبر والشكر وما إليها، ما يتعلق بعلاقة الإنسان بمن حوله من زوج ووالدين وجيران ويتامى ومساكين وحكام ومؤمنين وكفار ومنافقين إلى آخره، ما يتعلق بتنظيم شأن المجتمع من زواج وطلاق وحضانة وعقوبات جنائية ووصايا ومواريث وصدقات ونذور وتجارة إلى آخره، ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالكون من عمارة وإصلاح وتفكر وخير ومواقيت وبيوت ومساجد وأسواق، إلى آخره.
وقد أدى التفاعل بين تلك العناصر وما تقصد إليه منهجيًا إلى أن يتولد مقصدًا عامًا للسورة:
التأسيس لقيام أمة إسلامية تستلم راية القيادة للبشرية على طريقة الأنبياء.
واليوم ونحن في سياق محاولات إعادة البناء للأمة الإسلامية وإعانتها على الوقوف علي قدميها بعد كبوة قرون من الاحتلال العسكري والثقافي والاقتصادي والتعليمي، ثم قرن أخير من مزيج بائس من الطغيان والانقسام السياسي، الذي كان هو الضامن لاستمرار التبعية العسكرية والثقافية والاقتصادية والتعليمية لأعدائها، تأتي هذه السورة مَعينًا ثريًا لمن أرادوا أن يبنوا الأمة من جديد كما بُنيت الأمة بهذه السورة نفسها في عصر الرسالة في المدينة على ساكنها الصلاة والسلام، وذلك حتى تنهض فتستلم كرّة أخرى راية القيادة للبشرية على طريقة الأنبياء، إن شاء الله تعالى.
Lorem Ipsum