والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4)
والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4)
من شروط الإيمان السليم أن لا يفرق المؤمن بين إيمانه بالقرآن وإيمانه بالكتب التي نزلت قبله، فالإسلام -في مفهوم القرآن- ليس دينا جديدًا نزل على محمد ﷺ بل هو دين الرسل جميعًا: (إن الدين عند الله الإسلام – آل عمران ١٩)، (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه – آل عمران ٨٥)، والإسلام هو الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان منذ بدء الخليقة ومنذ أن يولد الطفل: (كُلُّ مَولودٍ يولَدُ على الفِطْرةِ، فأَبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُشَرِّكانه)،[1] ولكن شاع في ثقافات المسلمين وغير المسلمين شرقًا وغربًا مفهومًا مجتزأً للإسلام يحصره في الدين الذي نزل على محمد ﷺ فحسب، وانتشرت كذبة مفادها أن أهل ”الأديان“ الأخرى هم أتباع الرسل الآخرين: موسى وعيسى وغيرهما. صحيح أن اليهودية والمسيحية والمجوسية والهندوسية هي أديان مختلفة عن الإسلام، ولكنّ موسى عليه الصلاة والسلام -في التصور الإسلامي السليم- لا علاقة له باليهودية، بل هو رسول للإسلام: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين – يونس ٨٤)، ثم انحرف بعض أتباعه وابتدعوا دينًا غير الإسلام بعد أن عبدوا الأصنام وحرّفوا العقائد والأحكام وسمّوه اليهودية، وسيأتي في مواضعه تأسيس اليهودية بمملكة يهوذا التاريخية (٩٣٠-٥٨٧ ق.م.) التي اشتقت الديانة اسمها منها، والتي كانت مملكة وثنية على أي حال وتأسست بعد زمن موسى بثلاثة قرون، وعيسى عليه الصلاة والسلام في التصور الإسلامي لا علاقة له بتأسيس المسيحية، بل هو رسول للإسلام: (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون – آل عمران ٥٢)، وكما قال ﷺ لسلمان: (أولئِكَ الَّذينَ كنتَ معهم وصاحبُكَ لم يكونوا نصارَى كانوا مسلمينَ)، ثم انحرف بعض أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام من (الذين قالوا إنا نصارى – المائدة ١٣) وابتدعوا دينًا غير الإسلام، ثم استقرت عقيدته على التثليث بعد عيسى بثلاثة قرون، وسيأتي في مواضعه تأسيس الديانة المسيحية وعبادة المسيح بدعوة بولس الطرسوسي (ت. نحو ٦٤م) ثم بمجمع نيقية: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون – التوبة ٣٠).
وهذا التصحيح بهذه الآية لمفهوم الإسلام عند تالي القرآن هامّ، إذ أنه يصحح منذ بداية قراءة القرآن على ترتيبه الأخير تصور مفهومين تأسيسيين تنبني عليهما القراءة السليمة للقرآن: الأمة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، فالأمة الإسلامية -حسب هذا التعريف للإسلام- هي أتباع الدين الحق في كل زمان ومكان من لدن آدم إلى قيام الساعة، ولا تنحصر في مساحة جغرافية ولا حقبة تاريخية محدودة، بل تضم أتباع الدين الحق في كل زمان ومكان، والتاريخ الإسلامي -حسب هذا التعريف للإسلام- لا يقتصر على تاريخ الجزيرة العربية وما حولها منذ البعثة المحمدية، وهو تصور ناقص يحوّل الدين إلى هوية ”ثقافية“ منكفئة على ذاتها ومقصرة في دورها في الشهادة على الناس بالحق، بل التاريخ الإسلامي هو تاريخ الإنسانية كلها من عهد آدم وفي كل القارات، فقهًا لقصة المجتمعات الإنسانية مع الحق والباطل وتقييمًا لصعودها وهبوطها بمعايير الإيمان والكفر والصلاح والفساد، ومن الضروري للهوية الإسلامية الأصيلة أن يدرك المسلم أنه أقرب لهؤلاء الأنبياء المذكورين من الأدعياء الذين حرّفوا رسالة الإسلام وغيّروا عقيدتها إلى عقائد باطلة وسموها بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وحين تنازع اليهود والنصارى على دين إبراهيم ﷺ أمام محمد ﷺ نزل قول الله تعالى ليردّ الأمور إلى نصابها: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين – آل عمران ٦٧-٦٨).
و(إليك) و(من قبلك) الواردتان في الآية هما خطاب لمحمد ﷺ، ويدلان على أنه إما أن الخطاب من بداية السورة (ذلك الكتاب) كان خطابًا للرسول ﷺ، وإما أن يكون التفاتًا له بقصد لفت انتباه القارئ إلى حضور شخص النبي محمد ﷺ في سياق الآيات التي أُنزلت عليه، وهذا الالتفات في الخطاب لمحمد ﷺ كثير في القرآن ويثير في قلب القارئ والسامع ذلك الحضور في سياق الآيات ويذكّر به، مثل: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين. ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم – آل عمران ٤٣-٤٤)، (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما. إنا أنزلنا إليك الكتاب – النساء ١٠٤-١٠٥)، (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون. تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات – الأعراف ١٠٠-١٠١)، (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم. تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين. وإلى عاد أخاهم هودا – هود ٤٨-٥٠)، (والليل إذا يسر. هل في ذلك قسم لذي حجر. ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد – الفجر ٤-٨)، وهكذا.
وبعد الإيمان بالرسل والرسالات يتكرر ذكر الآخرة هنا -كما ذُكرت عند (مالك يوم الدين) في سورة الفاتحة- كأصل أصيل في الإيمان وفي التصور الإسلامي للوجود، وفي حديث جبريل عليه السلام حين ظهر في المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام ليعلّم الناس الدين ذكر في إجابته عن سؤال ”ما الإيمان؟“ أركان الأيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)،[2] وهذا الإيمان بالآخرة له أثر عميق على السلوك، فشتان بين من يؤمن بالبعث والحساب ومن لا يؤمن، وشتان بين من يوقن في هذا الإيمان أي يصل إلى أعلى درجة من التأكد من حدوثه وبين من يشك.
[1] رواية أحمد من حديث أبي هريرة، قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٩٣١٧: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في: البخاري ١٣٥٩، مسلم ٢٦٥٨، أبو داود ٤٧١٤، الترمذي ٢١٣٨.
[2] عنِ ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنه أنَّ جبريلَ عليه السلامُ قالَ للنبيِّ ﷺ: ما الإيمانُ قالَ: أن تؤمنَ باللهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخِرِ وبالقَدَرِ خيرِهِ وشَرِّهِ فقالَ له جبريلُ عليهِ السلامُ: صدَقْتَ قالَ: فَتَعَجَّبْنا منه يسأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ قالَ: فقالَ النبيُّ ﷺ: ذاكَ جبريلُ أتاكُمْ يعلِّمُكُم معالِمَ دينِكُم – قال شاكر في مسند أحمد ١/١٠٦: إسناده صحيح.
Lorem Ipsum