[email protected] +(00) 123-345-11

أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)

أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)

هنا أداة إشارة أخرى تفيد البعد في كلمة (أولئك)، وهو -كما كانت إشارة ”ذلك الكتاب“- ليس بعدًا ماديًا ولا غموضًا معنويًا، بل يقصد إلى بيان علو المكانة والاحتفاء بهؤلاء من ربهم سبحانه، وتتكرر (أولئك) متبوعة بضمير الفصل ”هم“ -التي تفيد الاختصاص- لتؤكد المكانة والاحتفاء وأن الفلاح الحقيقي مقصور عليهم. وقد تناظر بعض المفسرين في تعبير ”على هدى“ وأطالوا النفس في سؤال: هل هذه استعارة تصريحية والهدى دال على المشبه به -وهو الصراط المستقيم- أم أنها استعارة مكنية أو تبعية على أن المشبه به محذوف؟، إلى آخر ما قالوا. والحق أن هذا خلاف لا طائل من وراءه، بل ليس هناك داع لفهم تعبير ”على هدى“ من باب المجاز أو الاستعارة -مكنية كانت أو تصريحية- من الأصل، فالهدى معنى غير مادي ولكنه في التصور الإسلامي حقيقة ولا خطأ في أن يكون المرء ”عليه“، وكلام الله تعالى يعلمنا أن نتعامل مع المعاني على أن لها حقائق في عالم موجود هو عالم المثال، ويمكن بالتالي للإنسان مع المعاني أن يكون ”عليها“ أو ”فيها“ أو ”بها“ دون مجاز ولا خيال، مثل: (قل إني على بينة من ربي – الأنعام ٥٧)، (ومن الناس من يعبد الله على حرف – الحج ١١)، (ويطعمون الطعام على حبه – الإنسان ٨)، (أدعو إلى الله على بصيرة – يوسف ١٠٨)، (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه – النساء ١٥٧)، (في ريب – البقرة ٢٣، التوبة ٤٦، الحج ٥)، (في طغيان، البقرة ١٥، الأنعام ١١٠، يونس ١١)، (وإن يمسسك بخير – الأنعام ١٧)، (يهديهم ربهم بإيمانهم – يونس ٩)، مما يدل على أن المعنى له وجود حقيقي ويقبل أن ندخل عليه حروف الجر مباشرة، وهذا هو التصور القرآني السليم.

(وأولئك هم المفلحون): والفلاح -في الدنيا والأخرة- مقصد ومفهوم مركب يفصّله كتاب الله تعالى في مواضع كثيرة، وهو معيار النجاح في مقابل الإخفاق، والصعود في مقابل الهبوط، والخير في مقابل الشر، والصلاح في مقابل الفساد، ومدى تحقيق الفلاح منوط بمدى تحقيق المقاصد المنشودة في الدين على كل المستويات وفي كل المجالات والأمكنة والأزمنة، وسوف يأتي في سياق مناقشة المقاصد على اختلاف أبعادها كيف نقيس من خلالها الفلاح في مختلف أبعاده، وكيف نستثمرها كمعايير للحكم على المؤشرات الوضعية للنجاح الفردي والجمعي على كل المستويات، فكم من مؤشر يضعه الناس للنجاح أو السعادة أو التنمية أو الرفاه أو الحرية أو الحقوق أو الشرعية أو الأمن أو الجمال أو الثروة أو الخير أو غيرها وهو متناقض كليًا أو جزئيًا مع معايير الفلاح الحقيقي من المنطلق الإسلامي ويتطلب مراجعات جذرية من أجل استهداف المقاصد الصحيحة بدلًا من مصالح متوهمة أو أولويات غير سليمة، وستأتي أطراف من تلك المراجعات في مواضعها من الكتاب الكريم.

إذن، هذه الآيات الأربعة أشارت لصفات المتقين وأجملت التعريف بهم، ولكن لا يصح -منهجيًا- اختزال الفهم التركيبي لهذه الفئة المهمة في هذه الصفات فقط ولا الاقتصار في تعريفها على بُعد أو آخر من أبعاد صفاتها كالخوف من الله تعالى أو البعد عن المعاصي أو إقامة الشعائر أو تذكر الآخرة أو غيرها من الجزئيات، بل التعريف الكامل لمقصد التقوى وفئة المتقين لابد فيه من التركيب بين كل ما ورد في كلام الله وسنة رسوله ﷺ من أجل الوصول إلى تصور متكامل لهذا المقصد المركزي.

ومن أشمل وأبلغ ما عرفت في وصف للمتقين حسب التصور القرآني والبيان النبوي ﷺ لهم وحسب منهج التوصيل والتكامل الذي نبحث عنه، هو الخطبة العصماء التي ألقاها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه في وصفهم، وهذه الخطبة وردت بطولها في ”نهج البلاغة“ كما جمعها الشريف الرضي في الكتاب المعروف، ولا يصح -حديثيًا ولا منهجيًا- التعامل مع ما ورد في نهج البلاغة جملة واحدة تصحيحًا أو تضعيفًا، ولا يصح كذلك تضعيف روايات أنصار آل البيت على مختلف طبقاتهم بتهمة ”التشيع“ لمجرد موقفهم السياسي من بعض الأحداث التاريخية، أو تفضيل بعض الصحابة على بعض بآراء اجتهادية لا تقدح في الدين سواء أصابوا أو أخطأوا، أو لروايتهم لأحاديث اعتبرها بعض المحدثين خوضًا في فتنة وهم إنما نقلوا ما سمعوا، ولكن ينبغي أن تُقيّم كل رواية من رواياتهم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على حدة عرضًا على كلام الله تعالى وما صح من سنة نبيه ﷺ وما صح عن علي رضي الله عنه نفسه عند أهل الحديث، وكذلك -وهو عندي على نفس الدرجة من الأهمية- بمراجعة الأسلوب والصياغة لمتن الرواية كدليل داخلي يظهر في الكلام بما يدل على قائله.

وجدير بالذكر هنا ما كتبه الشيخ محمد عبده في مقدمة تحقيقه لكتاب نهج البلاغة يقول: ”وليس في أهل هذه اللغة إلا قائل بأن كلام الإمام علي بن أبي طالب هو أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام الله تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وآله، وأغزره مادة وأرفعه أسلوبا وأجمعه لجلائل المعاني“،[1] وهو كلام دقيق من عالم فذ وتنبيه على الدليل الداخلي الذي نؤكد عليه في هذا السياق كمعيار لتقييم الروايات بالإضافة إلى مراجعة أسانيدها كما ذكرنا، والذي يظهر به تميز كلام الإمام علي رضي الله عنه عن ما سواه من كلام الخطباء بما فيهم الشريف الرضي نفسه جامع الروايات، وهذا الفرق يظهر للدارس بوضوح. وكذلك نلاحظ منهج الشيخ محمد عبده في التمييز بين الروايات المختلفة داخل الكتاب جرحًا وتعديلاً، مع استحضار الشواهد من آثار أخرى، لا أخذها كلها على وِزان واحد، فقد كتب مثلًا عن مسألة الإمامة يقول: ”ولم أتعرض لتعديل ما رُوي عن الإمام في مسألة الإمامة أو تجريحه، بل تركت للمطالع الحكم فيه بعد الالتفات إلى أصول المذاهب المعلومة فيها والأخبار المأثورة الشاهدة عليها“.

وهذا التفصيل يساعد كل مهتم بالسنة النبوية على تجاوز القصور في الرواية عن سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه في كتب الحديث رغم أنه من أطول الصحابة ملازمة وألصقهم دارًا وأقربهم نسبًا لرسول الله ﷺ، وغزارة خطبه وكتبه -أي رسائله المكتوبة- وفصاحتها وشمول موضوعاتها لمعالم الإسلام وأركان عقيدته وأصول تشريعه ومعالي آدابه خاصة في فترة خلافته حقيقة تاريخية لا يختلف عليها أحد، إلا أن الظروف السياسية منذ مقتله رضي الله عنه ثم تأسيس ملْك بني أمية أثّرت على كمية وكيفية الرواية عنه وعن آل البيت وأنصارهم عمومًا، وهذه حقيقة تاريخية أخرى لا ينكرها منصف، وسنتعرض لأثرها مع مناسبات بعض الموضوعات القرآنية ذات العلاقة بما رُوي عنه مما اتُفق عليه أو اختُلف فيه. ولكنني على أي خال لا أعرف أبلغ ولا أجمع من هذه الخطبة من كلام الصحابة لتلخيص صفات المتقين كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وعلى تفاصيل أدلتها -خاصة الدليل الداخلي الذي ذكرناه- مئات من الشواهد يضيق المقام عن شرحها.[2] وقد وصفهم رضي الله عنه وكرم الله وجهه بقوله:

”المتقون فيها [أي الدنيا] هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء، ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة. صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجبابهم، وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي من نفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا في حلال ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر، يبيت حذرا ويصبح فرحا، حذرا لما حذر من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلـله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره، حريزا دينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه، لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة“.[3]

من هذا الفقه العالي لمقصد التقوى يكتمل التعريف، ويتبين أن التقوى مفهوم جامع لكل خير في الدين وأنه يصنع فردًا ومجتمعًا فريدًا في أفراد ومجتمعات البشر، وأنه صراط جامع لكل وسائل الفلاح في الدنيا والآخرة، وأن القرآن الكريم يهدي من يتبعه لأن يكون على درب التقوى وأن يلحق بفئة المتقين.

[1] من مقدمة طبعة نهج البلاغة بتعليقات الشيخ محمد عبده، دار المعرفة ببيروت.

[2]  هذه بعض الإشارات لبعض أدلة ما جاء في هذه الخطبة من المعاني المباشرة عن التقوى والمتقين، وهناك معان غير مباشرة أخرى كثيرة: البقرة ٢١، ٢٤، ٤١، ٤٨، ١٢٣، ١٧٧، ١٨٠، ١٨٧، ١٨٩، ٢٠٦، ٢٣١، ٢٣٧، ٢٤١، ٢٧٨، ٢٨٢، ٢٨٣، آل عمران ٨، ١٥، ١٦، ٢٨، ٥٠، ٧٦، ١٠٢، ١١٥، ١٢٠، ١٢٣، ١٣١، ١٣٣، ١٣٨، ١٧٢، ١٧٩، ١٨٦، ١٩١، ٢٠٠، النساء ١، ٩، ٣٦، ١٢٩، المائدة ٤، ٧، ٨، ٣٥، ١٠٠، الأنعام ٣٢، ٧٢، ١٥١، ١٥٥، الأعراف ٢٦، ٣٥، ٩٦، ١٦٩، الأنفال ١، ٢٥، ٢٩، ٣٤، التوبة ٤، ٣٦، ٤٤، ١٠٨، ١١٩، يونس ٦، ٦٣،  يوسف ٩٠، ١٠٩، الرعد ٣٥، النحل ٣٠، الإسراء ٢٣-٣٩، وغيرها، ومن الحديث راجع كأمثلة من البخاري: ٥٢، ١٢٥٢، ١٥٣٢، ٢٢١٩، ٢٣٣٣، ٢٤٤٨، ٢٩٦٤، ٣٣٤٤، ٤٩٤٦، ٦٥٤٠، مسلم ٢٧٥٠، الترمذي ٢٠٠٤، وابن ماجه ٤٢٤٦، وأحمد ٩٠٨٥، ١٦٠٦٢، أبو نعيم في الحلية ٣/١٠٠، البيهقي في الشعب ٥١٣٧، وغيرها.

[3] راجع طبعة نهج البلاغة بتعليقات الشيخ محمد عبده، دار المعرفة ببيروت، الخطبة رقم ١٩٣.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة