إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)
إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)
الفئة الثانية في تقسيم الناس حسب مواقفهم من هذا الكتاب هي فئة الكافرين والتي تُذكر هنا أيضًا بالاسم الموصول (الذين كفروا) دون تفاصيل أشخاصها في وقت نزول الآية، فليس المقصود بالآية والآيات التالية هؤلاء الأشخاص تحديدًا، وإنما يقصد الاسم الموصول (الذين) إلى تعميم صفات هذه الفئة على ما سواها ممن يندرج تحتها. ولابد هنا من التفريق بين ثلاث فئات فرعية من الكفار بناءً على مجموع آيات القرآن الكريم:
(١) أول فئة فرعية من الكفار أتتهم البينات وعرفوا الحق ثم أنكروه وردّوه وغطوه بباطلهم، ثم تمادوا في الباطل والطغيان وقست قلوبهم عن الحق، وهؤلاء هم الذين تنطبق عليهم هذه الآية: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)، وهم مثْل الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين بعد ما جاءتهم البينات: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة)، ومثْل من قال تعالى فيه من كفار قريش وهو الوليد بن المغيرة: (إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر. سأصليه سقر – المدثر ١٨-٢٦)،[1] ومثْل المرتدين عن الدين الحق بعد ما عرفوه: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون – آل عمران ٩٠)، وهذه الفئة الفرعية شملت كفار قريش الذين قرروا بكامل وعيهم وإرادتهم أن يكفروا، وفيهم نزلت هذه الآيات من سورة البقرة في المرحلة المكية تنبئ النبي ﷺ أنهم لن يؤمنوا أبدًا، بل نزلت آيات أخرى تنبئه أن أكثر قريش قد حق عليهم القول ولن يؤمنوا على أي حال: (يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم. لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون – يس ١-٧).
(٢) أما الفئة الفرعية الثانية من الكفار -بمن فيهم بعض كفار قريش في ذلك الوقت- فهم أناس ظلوا على الكفر حينًا من الدهر لأنهم كانوا من قوم كافرين وصدّهم عن الإيمان ما ورثوه من جاهلية آبائهم، ولم يزالوا مترددين حتى تداركتهم هداية الله تعالى ووصلوا إلى لحظة التسليم والإيمان، ومن أكبر الأمثلة عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، ابن الوليد بن المغيرة من رؤوس الفئة الأولى التي أصرت على الكفر، فقد ظل خالد يتابع أخبار الرسول ﷺ حتى تبيّن له أنه نبي، فقال: ”والله لقد استقام المَنسِم [أي الطريق]، وإن الرجل لنبي، أَذهب والله فأُسلم“،[2] فأسلم وجاهد جهادًا عبقريًا في سبيل الإسلام ولقّبه رسول الله ﷺ بسيف الله المسلول، وكملكة سبأ بعد أن عُرض عليها الإسلام فتأخرت قليلًا وقال تعالى فيها: (وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين. قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين – النمل ٤٣-٤٤)، وقال تعالى عن سحرة فرعون بعد أن كانوا كفارًا معاندين لموسى عليه الصلاة والسلام ثم رأوا الآيات المعجزة: (فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون. فألقي السحرة ساجدين. قالوا آمنا برب العالمين – طه ٤٥-٤٧)، فأسلموا وماتوا شهداء في سبيل الله.
(٣) أما الفئة الفرعية الثالثة من الكفار فهي فئة الغافلين، وهي الفئة التي أشار إليها قول الله تعالى: (قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون – يس ٦)، وقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا – الإسراء ١٥)، وهم أهل الفترة الذين قال فيهم: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير – المائدة ١٩)، فهؤلاء كفار في ما يبدو لنا من ظاهر حالهم فنحكم به -والله أعلم بهم- باعتبار أنهم يتّبعون مللًا باطلة أو لا يتبعون ملة أصلًا، وقد اختلف العلماء في مصيرهم في الآخرة على أقوال كثيرة، وهو جدل لا ينفع لأن مصير العباد الأخير في مشيئة الله على أي حال، نسأله تعالى السلامة، إلا أن العلم اليقيني في هذه المسألة هو أن الله تعالى عدل لا يظلم أحدًا وأنه يحاسب كل نفس فردًا فردًا، فنكل أمرهم إذن إلى الله وهو أعلم بعباده.
ولابد للمسلم الواعي الذي يتعامل مع غير المسلمين أن يجتهد ليفرّق بين هذه الفئات الفرعية الثلاثة، فالكفار المعاندون الجاحدون لرسالات الله تعالى خاصة الظالمين المحاربين منهم، غير الكفار الذين وصلتهم الدعوة المترددين في الإيمان بها لأنهم ما زالوا متأثرين بأقوامهم وثقافاتهم وعندهم شبهات أو ظروف، وهؤلاء وأولئك غير الكفار الذين لم تصلهم رسالات الله أصلًا وهم على فطرة وتقع على المسلمين مسؤولية تبليغ أصل الرسالة إليهم بحكمة، ورغم اجتهاد المسلم في التفريق بين هذه الفئات الفرعية الثلاثة إلا أنه لابد من التسليم بأن الله سبحانه وتعالى أعلم بحال عباده وإليه مصيرهم في الآخرة.
[1] وردت عدة روايات أوردها الطبري في تفسيره وغيره أنه الوليد بن المغيرة حين قال: ”والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشكّ أنه سحر”، فأنزل الله فيه: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّر).
[2] رواية أحمد، قال الأرنؤوط في تخريج المسند ١٧٧٧٧: إسناده حسن في المتابعات والشواهد.
Lorem Ipsum