[email protected] +(00) 123-345-11

ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8)

ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8)

فئة المنافقين هي الفئة الثالثة من الناس حسب حالهم مع الكتاب والإيمان والصراط والحق، وهي في التصور الإسلامي المستمد من فقه كتاب الله تعالى فئة مركزية ومركبة،[1] ويدل على مركزيتها غزارة ما ورد فيها من آيات في كتاب الله بدءًا بهذه الآيات في أوائل سورة البقرة إلى السورة الكاملة التي وسمت باسمهم في أواخر المصحف، والتي استفتحت بالآية: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون – المنافقون ١)، أي أنهم كاذبون في قولهم: نشهد إنك لرسول الله، لأنهم يبطنون الكفر. ويدل على تركيب وتعقيد تلك الفئة تشعب التفاصيل التي تصف أحوالهم وخططهم ومكرهم بالإسلام وأهله في كلام الله تعالى.

وأصل الكلمة من أصوات (ن ف ق) في لغة العرب فيه معنى الإخفاء، مثل نافق الفأر أي دخل جحره، وأصل ذلك الاستعمال كلمة النفق وهو الطريق في باطن الأرض، والأصل الصوتي يتعلق بصوت حرف النون وهو يعبر عن معنى الامتداد بلطف في جوف أو باطن شيء، ثم صوت الفاء التي يعبر عن نفاذ بقوة مع حركة طرد، وصوت القاف الذي فيه معنى الشدة والطَرْق، والإيحاء الصوتي المركب إذن هو نفاذ باطن الشيء ولبّه إلى أن يُذهب ظاهره وقشرته،[2] والمراد القرآني متسق مع الأصل الصوتي، وهو إظهار الإيمان واستبطان الكفر إلى أن يمتد الكفر من الباطن فيُذهب الظاهر، وهو متسق كذلك مع الكلمات القرآنية التي تحمل نفس الجذر بأصواته، مثل النفَق أي الحفرة في الأرض، وإنفاق المال أي صرفه بالنفقات المتنوعة، ومنها خشية الإنفاق أي خشية الإملاق والإنفاد.

ويلاحظ الباحث في سنة الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين أن كلمة النفاق كانت من المفاهيم المتداولة في حديثهم اليومي عن الإيمان والكفر، وأن كلمة المنافقين كعلَم على فئة من الناس كانت حاضرة في تصنيفهم للناس حسب سلوكهم – على عكس واقعنا الثقافي واللغوي، ولكن الملاحَظ كذلك أنه نظرًا لطبيعة النفاق ودعاوى المنافقين الخدّاعة أنهم آمنوا وما هم بمؤمنين في حقيقة أمرهم – كما تنص هذه الآيات، فقد اشتبه الوصف بالنفاق وتصنيف كثير من المنافقين على المسلمين حتى في عصر الرسالة وإلى يومنا هذا، رغم أن بعضهم كانوا معلومين لرسول الله ﷺ، قال تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم – محمد ٣٠)، وقد أخبر بعض أصحابه كحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضي الله عنهما عن من علمه منهم وحيًا خاصة الاثني عشر راكبًا الذين حاولوا قتله ﷺ في العقبة بعد تبوك،[3] والبعض الآخر لم يكن يعلمهم حتى الرسول ﷺ، كما قال تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم – التوبة ١٠١)، وهذا التحذير من خفاء أمرهم هو جزء من التصور المقصود لتلك الفئة.

وفئة المنافقين ظهرت أولًا في عصر الرسالة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام منذ بداية مرحلة المدينة، حيث بدأت شوكة الإسلام في الظهور وبدأ تحصيل بعض المغانم والأعراض المادية والمعنوية، فبدأت معهما الدعاوى الكاذبة بالإيمان من أجل تجنب أضرار المعارضة وتحصيل مغانم الانضمام للدولة والقوة الناشئة، ثم تنامت بعد فتح مكة وعظم خطرها كما يظهر من موضوعات وأسلوب الآيات من فتح مكة إلى نزول سورة التوبة في أواخر عصر الرسالة، والمنافقون فئة خطيرة في كل زمان ومكان لا يهمّش أهميتها إلا جاهل أو مغرض، وأخطر حدث مع المنافقين في عصر الرسالة تجلى في تلك المحاولة لقتل النبي ﷺ في العقبة خلال عودته من تبوك، وأشارت سورة التوبة إلى ذلك الحدث في قوله تعالى عنهم: (وهموا بما لم ينالوا – التوبة ٧٤)،[4] بالإضافة لكونهم طابورًا خامسًا وقفوا مع أعداء الإسلام من داخل الصف الإسلامي، كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم – الحشر ١١). ويدل تركيب الآيات ذات الصلة وروايات السنة على أنه كانت هناك فئات داخل معسكر النفاق نفسه: من قريش، ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج، ومن الذين أوتوا الكتاب، ومن الأعراب كذلك، والسياقات التي ذُكرت فيها أحوال كل من تلك الفئات الفرعية متنوعة وعلاقات الآيات بالأحاديث -ما نقل صحيحًا وما حُرّف كما يظهر من متونها- موضوع مركّب، ونناقشه في مواضعه من آيات التنزيل الحكيم، تلك الآيات التي قصدت إلى فضح المنافقين في عصر النبوة، وإلى تعليم المؤمنين دروسًا لكل عصر ومكان.

وفئة المنافقين بكل ألوانها لا تقتصر على عصر الرسالة ولا يقول بذلك إلا مغرض، فقد رأينا بعد عصر الرسالة المحمدية وإلى واقعنا المعاصر خطورة المنافقين تتجلى في نفس الصفات التي حذر القرآن الكريم منها، من مؤامرات لقتل القادة والمصلحين، وسياسات تجويع أتباع الرسول حتى ينفضوا، وتحريف الكلم من بعد مواضعه، والخيانة بضرب الصف الإسلامي من داخله، والتحالف مع أعداء الإسلام في السر والسخرية معهم من أهل الإسلام، فكم من صاحب نفوذ من الأمراء والوزراء والوجهاء -في التاريخ وفي الواقع المعيش- ادعى الإسلام وتسمى بأسمائه وألقابه زورًا وتظاهر بلباسه وشعائره واحتفل بمناسباته وأعياده، وهو في واقع الأمر حرب على الإسلام وأهله حربًا صُراحًا لا ريب فيها ولا يمكن أن تصدر تصرفاته من مسلم، ومن يدرس التاريخ يرى هذا النسق متكررًا، ويدرك أن المنافقين كانوا أحد أهم أسباب سقوط ممالك المسلمين ودولهم الكبرى واغتيال قادتهم وأئمتهم ومصلحيهم منذ عصر الخلافة الراشدة إلى عصرنا هذا، وأنهم كذلك أحد أهم أسباب ظهور وانتشار البدع العقدية والعملية في كافة صورها قديمًا وحديثًا.

ثم إن دراسة ظاهرة النفاق قبل بعثة الرسول محمد ﷺ لها فوائد كبيرة أيضًا، ولهذا قص الله تعالى علينا من أخبار النفاق قبل البعثة المحمدية، فهم الذين حرّفوا دين الإسلام بعد عهد كل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، متظاهرين بالإيمان بل وبتمثيل الدين وهم كفار في دخيلة نفوسهم، يكتبون الكتاب بأيديهم ويدعون أنه من عند الله وما هو من عند الله، ليأكلوا به الدنيا، وهكذا حرفوا العقائد ونسخوا الشرائع وضلوا وأضلوا كثيرًا، وسوف يأتي طرف من ذلك على سبيل التفصيل في معرض الآيات التي تتناول تاريخ الأمم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتحريف رسالاتهم من بعدهم.

وقول الله تعالى في الآية الكريمة: (وما هم بمؤمنين) يعلمنا درسًا منهجيًا مهمًا، ألا وهو أن تصنيف الفئات لا ينبغي أن يكون ببساطة حسب دعاوى تلك الفئات عن أنفسها، بل بما يظهر من سلوكها حسب معايير منهجية نتبعها لتصنيف الواقع الفئاتي المعيش، وهذا المنهج الإسلامي يختلف عن المنهجية النسبية السائدة في البحث المعاصر في العلوم الاجتماعية وفي الثقافة العلمانية الاجتماعية، ففي العلوم الاجتماعية المعاصرة  يعتمد تصنيف الفئات الاجتماعية على ما يسمى ”الهوية الاجتماعية“، أي على دعوى الفرد بانتمائه لمجموعة معينة واعتراف تلك المجموعة به، وفي علم النفس الاجتماعي مثلًا يتم تصنيف الفئات وتحديد هوية الفرد حسب نظرية ”التصنيف الذاتي“، بل ويعتبرون تصنيف الآخرين على خلاف ما يدّعونه عن أنفسهم نوعًا من فرض ”صورة نمطية“ عليهم ويضعونه تحت سوء استغلال السلطة الاجتماعية.[5]

أما في المنهجية الإسلامية، ففرض ”صورة نمطية“ على الناس رغم دعاواهم ليس بالضرورة خطأ ولا صوابًا، بل خطؤه وصوابه يتوقف على مقدار الحق في هذا التصنيف حسب التصور الإسلامي، وإلا وقعنا في النسبية الأخلاقية التي هي في عمق فلسفة الاجتماع المعاصرة، والنسبية الأخلاقية تؤدي إلى التناقض في تعريف الأخلاق والقيم ثم تؤول إلى تفكيك الأخلاق والقيم -أي نزع السلطة والشرعية عنها- وإعلاء قيمة الاختيار الإنساني فوق كل قيمة، ولو كان اختيار هوى أو باطل أو معصية.

[1] حتى أن الدكتور عبد الرحمن الميداني كتب في التفسير الموضوعي للآيات والأحاديث ذات العلاقة بالنفاق مجلدين كبيرين: عبد الرحمن حبنكة الميداني، ظاهرة النفاق وخبائث المنافقين في التاريخ، دمشق: دار القلم، ١٤١٤.

[2] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة، ٢٠١٠، ن ف ق.

[3] عن عروة: ورجَع رسولُ اللهِ ﷺ قافلًا مِن تَبُوكَ إلى المدينةِ، حتى إذا كان ببعضِ الطريقِ، مكَر برسولِ اللهِ ﷺ ناسٌ مِن المنافِقينَ، فتآمَروا أن يَطرَحوه مِن رأسِ عقَبةٍ في الطريقِ، فلمّا بلَغوا العقَبةَ، أرادوا أن يسلُكوها معه، فلمّا غَشِيهم رسولُ اللهِ ﷺ، أُخبِرَ خبَرَهم – قال الأرنؤوط في تخريج زاد المعاد ٣/٤٧٨: رجاله ثقات.

[4] كتب ابن القيم في زاد المعاد ٣/٤٧٩ يقول: ”فجمعَهم رسولُ الله ﷺ، وَهمُ اثنا عشرَ رجلًا، الَّذينَ حاربوا اللَّهَ ورسولَهُ وأرادوا قتلَهُ، فأخبرَهم رسولُ اللَّهِ ﷺ بقولِهم ومنطقِهم وسرِّهِم وعلانيَتِهم، وأطلعَ اللَّهُ سبحانَهُ نبيَّهُ على ذلِكَ بعلمِهِ، وماتَ الاثنا عشرَ منافقينَ محاربينَ للَّهِ ولرسولِهِ، وذلِكَ قولُهُ عزَّ وجلَّ: (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا – التوبة ٧٤)“.

[5] راجع نظرية جون تيرنر عن ”الهوية الاجتماعية“ وفروعها:

Turner, John; Oakes, Penny (1986). “The significance of the social identity concept for social psychology with reference to individualism, interactionism and social influence”. British Journal of Social Psychology. 25(3): 237–252. Oakes, Penny; Haslam, Alex; Turner, John (1994). Stereotyping and social reality. Blackwell: Oxford.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة