في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10)
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10)
القلب في كتاب الله تعالى مفهوم مركب وله أبعاد متعددة، والبعد المقصود بالذكر هنا هو بعد الصحة في مقابل المرض، فسلامة القلب بالتعبير القرآني -إضافة إلى ما روي في التعبيرات النبوية على صاحبها الصلاة والسلام- لها مستويات بين صحة المضغة أو العضلة أي المستوى الجسدي من القلب ويتعلق بوظيفة ضخ الدم في الجسم كما هو معروف، وبين صحة وظائف القلب الأخرى وهي أن يؤمن بالله و يعقل ويكسب الخير ويطمئن بذكر الله ويلين له ويتمحص عن الشر ويسمع للحق ويثبت عليه ويفقه الدين وينيب ويخشع ويصغو، وكذلك أن لا يكسب الشر ولا يزيغ ولا يأثم ولا يأبى الحق ولا يرتاب فيه أو يشمئز منه أو ينصرف عنه أو ينكره أو يغفل عنه أو يلهو أو يخبث. وصحة القلب الجسدية في المفهوم الإسلامي لا تنفصل عن صحة وظائفه الشعورية والإيمانية، فليس هناك انفصال في المفهوم الإسلامي بين النفس والجسد بل هما متداخلان. صحيح أن هناك أمراض في عضلة القلب لا تتعلق بالنفس كأن يولد الإنسان بإشكالية في أحد الصمامات القلبية مثلًا، ولكن لا يمنع ذلك من إدراك أن أمراض النفس لها أثر على كل مستويات القلب، فالنفاق -كما يذكر القرآن- مرض يوشك أن تتقطع قلوب حامليه، كما قال تعالى عن قلوب بعض المنافقين: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم – التوبة ١١٠)، وهذا التقطع ليس فقط معنى متخيلًا ولكن له أثر مادي أيضًا، وقد بدأت الدراسات المعاصرة تلامس هذه الحقائق حين يقرر الباحثون علاقة مطردة بين ما يسمونه بـ ”الحالة النفسية“ للإنسان وبين بعض أمراض القلب التي تصيبه، ولكنّ تعريف الحالات النفسية في علم النفس العَلماني لا يتطرق للأبعاد الإيمانية رغم أهميتها في صحة الإنسان في المفهوم الإسلامي.
والمرض يزيد وينقص، وهؤلاء يزيدهم الله مرضًا، ولكن الله تعالى لا يظلم أحدًا ولا يعذب الناس دون ذنب اقترفوه تعالى الله عن ذلك، بل هو إنما يعاقب المنافقين (بما كانوا يكذبون) بأن يُجري عليهم سنته المطردة في خلقه بأن المرض إذا لم يُتداوى بأي وسيلة كانت استفحل وزاد، وهو المراد بقوله: (فزادهم الله مرضًا)، ولا يصح التأويل الجبري الفاسد أنه لا ذنب لهم لأن الله هو الذي أمرضهم حاشا لله. قال تعالى في موضع آخر: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون – الأنعام ١٤٨)، وقال: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون – الأعراف ٢٨)، فالإنسان مكلف وله حرية الاختيار إما شاكرًا وإما كفورًا، فإذا اختار الكفر استحق العقاب جزاء وفاقًا.
(ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون)، فالكذب من علامات النفاق كما يظهر في الآية، وعلاقة الكذب بالنفاق أن كليهما خداع وإظهار صورة زائفة غير حقيقية للناس، وهو مصداق لما روي عن رسول الله ﷺ قال: (آيةُ المنافقِ ثلاثٌ إذا حدَّثَ كذبَ وإذا وعدَ أخلفَ وإذا اؤتمنَ خانَ .. وإذا عاهدَ غدرَ، وإذا خاصمَ فجرَ، وإنْ صامَ وَصَلّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ)، وهذه كلها أنواع من الكذب سواء في الحديث أو الوعد أو الأمانات أو العهد أو الخصومات أو الصيام والصلاة مراءاةً ودون أثر على السلوك، وهي علامات لمعرفة النفاق الذي هو إظهار للإسلام وإبطان للكفر،[1] وقوله ﷺ: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) هو مصداق لقوله تعالى في الآيات السابقة: (من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين).
وأما التقسيم الثنائي الذي وضعه بعض الفقهاء للنفاق إلى ”نفاق أصغر“ وهو الكذب وإخلاف الوعود وخيانة الأمانات وتصنف على أنها لا تنفي الإيمان، و”نفاق أكبر“ أي إظهار الإسلام واستبطان الكفر، ففيه عندي إشكال الفصل الحدّي بين النفاق وعلامات النفاق، وهما لا ينفصلان، فالكذب وإخلاف الوعود وخيانة الأمانات ذنوب ترين على القلب، (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون – المطففين ١٤)، ثم قد يؤدي تراكمها إلى كذب أكبر على الله ورسوله، أو إخلاف الوعد مع الله تعالى، أو خيانة الأمانة الكبرى وهي الإيمان، وهذه الدرجات الأسوأ من الذنوب قد تصل بالإنسان إلى النفاق التام أي ابطان الكفر والعياذ بالله. ولذلك فقد قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر (يـَكذِبُونَ) بفتح الياء وتخفيف الذال، وقرأ باقي الرواة (يـُكَذِّبُونَ) بضم الياء وتشديد الذال مع فتح الكاف، والعلاقة بين الكذب والتكذيب هي نفسها العلاقة بين النفاق الأصغر والأكبر وتفسر لماذا قرأ رسول الله ﷺ بالقراءتين.
وهناك آيات أو علامات أخرى للنفاق تدل على ما في الباطن من كذب، ذكرها ﷺ فيما روي عنه لكي يتبين الصحابة الصادقون ومن أتى بعدهم المؤمن من المنافق، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (آيَةُ المُنافِقِ بُغْضُ الأنْصارِ، وآيَةُ المُؤْمِنِ حُبُّ الأنْصارِ)،[2] وهو مصداق لقول الله تعالى في الأنصار: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم – الحشر ٩)، وقوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم – التوبة ١٠٠)، وعن عبدالله بن زيد قال: لما أفاءَ اللَّهُ على رَسولِهِ ﷺ يَومَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ في النّاسِ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ شيئًا، فَكَأنَّهُمْ وجَدُوا إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ ما أصابَ النّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، ألَمْ أجِدْكُمْ ضُلّالًا فَهَداكُمُ اللَّهُ بي؟ وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فألَّفَكُمُ اللَّهُ بي؟ وعالَةً فأغْناكُمُ اللَّهُ بي؟ كُلَّما قالَ شيئًا قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أمَنُّ، قالَ: ما يَمْنَعُكُمْ أنْ تُجِيبُوا رَسولَ اللَّهِ ﷺ؟ قالَ: كُلَّما قالَ شيئًا، قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أمَنُّ، قالَ: (لو شِئْتُمْ قُلتُمْ: جِئْتَنا كَذا وكَذا، أتَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النّاسُ بالشّاةِ والبَعِيرِ، وتَذْهَبُونَ بالنَّبيِّ ﷺ إلى رِحالِكُمْ؟ لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ، ولو سَلَكَ النّاسُ وادِيًا وشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وادِيَ الأنْصارِ وشِعْبَها، الأنْصارُ شِعارٌ، والنّاسُ دِثارٌ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فاصْبِرُوا حتّى تَلْقَوْنِي على الحَوْضِ).[3] فإذا كان الله تعالى قد رضي عنهم لحبهم النبي ﷺ ونصرتهم وإيثارهم للمهاجرين فإن الذي يبغضهم ويدعي الإيمان منافق يبطن الكفر، وشهدنا في التاريخ من أبغض الأنصار بل وأباد منهم بعد عهد الخلافة الراشدة أعدادًا غفيرة قتلًا لنفوسهم واستباحة لأعراضهم، وعلى رأس هذه الوقائع واقعة حرّة المدينة كما هو معروف،[4] والذين أبغضوا الأنصار وأهدروا حرمتهم وقتلوهم عامدين متعمدين دون ما يستحق القتل من جرائم هم من المنافقين بعلامة الحديث المذكور لا ريب في ذلك.
وشبيه بذلك ما صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبرأ النسَمة إنه لعهدُ النبي ﷺ إليّ أنه: (لا يحبَكَ إلا مؤمنٌ، ولا يبغضكَ إلا منافقٌ)،[5] وهذه علامة أخرى مهمة لفرقة من المنافقين عرفت في التاريخ الإسلامي بالنواصب، أي الذين ادعوا الإيمان ولكنهم ناصبوا عليًا وذريته من آل بيت النبوة رضي الله عنهم العداء وظهر بغضهم لهم خاصة في لعنه وسبّه حاشاه وكرم الله وجهه، ثم قتلهم وإبادتهم لآل بيت النبوة رضي الله عنهم، ولابد أن نفرق هنا بين الأمور المتعلقة بخلافات سياسية اجتهادية أو مواقف عرضية مع سيدنا علي أو ذريته كما رأينا في التاريخ من مواقف بعض الصحابة وأمهات المؤمنين، وبين بغض البعض له وذريته من سويداء قلوبهم بما ظهر واستمر في أقوالهم وأفعالهم على مدى طويل حتى بعد وفاته رضي الله عنه بأجيال، وهؤلاء منافقون يشهد على نفاقهم كتاب الله وسنة رسوله ولا يجوز الرواية عنهم ولا الترضي عليهم، وسيأتي مزيد من البيان مع الآيات التي تتعلق ببعض أحداث التاريخ والسيرة على صاحبها الصلاة والسلام.
و”العذاب“ من المفاهيم الرئيسة في التصور الإسلامي، وهو عقوبة في الجسد أو النفس أو فيهما معًا، وهو في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معًا، جزاء وفاقًا عادلًا على جرائم معينة، والغرض منه ذوق المشقة والإيلام (عذاب أليم) في الجسد أو الإهانة في النفس من أجل تحقيق الجزاء والردع ومقاصد أخرى متنوعة، إلا أن مواضع ذكر العذاب في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله ﷺ تفصل في عدد من الفروق بين عذاب الله تعالى وعذاب الناس، أولها أن عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، وأنه يجري حسب سنن إلهية فصلها القرآن الكريم وتأتي في مواضعها، وأن عذاب الله تعالى في الدنيا في صورة طوفان أو أوبئة أو حروب أو غيرها قد يعم جماعة من الناس وفيهم المجرم والبريئ ثم يبعثون على نياتهم، وهو أعلم بخلقه ومن سننه أن يبتليهم بالخير والشر، ولكن عذاب الناس للناس لا يجوز أن يعم على غير المجرم وإلا أصبح ظلمًا، ويحرم في شرع الله أن يضار بريء بذنب غيره أيًا كان، (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون – يوسف ٧٩)، (لا تزر وازرة وزر أخرى – الأنعام ١٦٤، الإسراء ١٥، فاطر ١٨، الزمر ٧، النجم ٣٨)، (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها – البقرة ٢٨٦)، وقال ﷺ: (إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النّاسَ في الدُّنْيا)،[6] فعذاب الناس للناس في هذه الدنيا دون عقوبة شرعية يستحقونها كبيرة من الكبائر وليست من حقهم أصلًا ولا تجوز تحت أي ادعاء سياسي أو أمني أو غيره، بل هي ظلم وعدوان، إلا في حالة واحدة: أن يكون تطبيقًا لعقوبة محددة على جرائم بعينها عرّفتها الشريعة، وتلك العقوبات لابد أن تصدر عن سلطة شرعية وتكون بالقدر الذي حددته الشريعة دون تعدي، وإلا أصبحت -في التصور الإسلامي- فوضى وبغيًا وظلمًا. وأيضًا، لا يجوز في الشريعة إنزال العذاب أو المُثْلة بأي حي سواء طير أو حيوان أو حشرة، فكل ذلك حرام في دين الله تعالى.
[1] ذكرنا هنا مجموع الروايات، وهي في: البخاري ٢٦٨٢، ٣٧٨٤، مسلم ٥٩، ٧٤، النسائي ٥٠١٩، الترمذي ٢٦٣١، وغيرهم.
[2] من حديث أنس بن مالك، البخاري ٣٧٨٤، مسلم ٧٤، النسائي ٥٠١٩، وغيرهم.
[3] البخاري ٤٣٣٠، وروى ابن كثير التالي في جامع المسانيد والسنن ٨/٦٧٤ وقال عنه: له شواهد: قال أبو سعيدٍ الخدري: قلتُ لمعاويةَ: أما أنَّ رسولَ الله ﷺ حدثنا أننا سنرى بعدَه أثيرةً قال معاويةُ: فما أمرَكُم؟ قلتُ: أمرَنا أنْ نصبرَ قال: فاصبروا إذًا.
[4] قال ابنِ عباسٍ: جاء تأويلُ هذه الآيةِ على رأسِ ستين سنة [أي هجرية]: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْها) يعني إدخالَ بني حارثةَ أهلَ الشامِ على أهلِ المدينةِ في وقعةِ الحَرَّة – فتح الباري لابن حجر ١٣/٧٦ وإسناده صحيح.
[5] قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٧٣١: إسناده على شرط الشيخين، مسلم ٧٨، الترمذي ٣٧٣٦، النسائي ٥٠١٨، ابن ماجه ١١٤، أحمد ٧٣١.
[6] من حديث هشام بن حكيم بن حزام، مسلم ٢٦١٣.
Lorem Ipsum