وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11)
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11)
هناك علاقة وثيقة بين النفاق والإفساد في الأرض، ذلك لأن المنافقين يخفون الكفر ويظهرون الإيمان بقصد تحقيق منافع شخصية، وهذه المنافع لو كانت صالحة -كتجارة مشروعة مثلًا- لما احتاجوا إلى إظهار الإيمان مع استبطان الكفر، لأن الكافر بين المسلمين يحقق منافعه المشروعة -كالتجارة- دون غضاضة على أي حال، ولكن المنافع غير المشروعة هي التي تدفع المنافق لإظهار الإيمان. وكما كذب المنافقون في الإيمان والكفر يكذبون في الإصلاح والإفساد، وحين يظهر إفسادهم في الأرض ويُتهمون به يكون ردهم أنهم مصلحون بل لا يقصدون إلا الإصلاح كما تدل عليه أداة القصر ”إنما“.
والإصلاح في الأرض مقصد مركزي في التصور الإسلامي، والفساد في الأرض عكس الإصلاح وله أبعاد متعددة كما يظهر من وصل مواضع ذكره في كتاب الله، ولا يصح اختزاله في بُعد واحد كما ذكر عدد من أهل التأويل مثل قولهم إن فساد المنافقين في الأرض هو كفرهم بالله أو هو تضييعهم للفرائض التعبدية، وهما معنيان صحيحان ولكن الاقتصار عليهما غير دقيق، ذلك لأن كتاب الله يضيف إليهما معان أخرى لابد من دراستها حتى تتبين وسائل الإصلاح في الأرض في تصور المؤمنين بمعرفة وسائل الفساد، وتتبلور بالتالي خطط عملية للإصلاح المنشود عن طريق القضاء على وسائل الفساد.
ووسائل الفساد في الأرض -إضافة إلى الكفر- ذكرها الكتاب الكريم صراحة متمثلة في التالي: قطع ما أمر الله به أن يوصل (البقرة ٢٧، الرعد ٢٥)، والقتل أو سفك الدماء (البقرة ٣٠، المائدة ٣٣، النمل ٤٨، القصص ٤)، وإهلاك الحرث أي الزرع والنسل أي الأحياء من كل نوع (البقرة ٢٠٥)، وإهدار حقوق اليتامى (البقرة ٢٢٠)، وإخراج أصحاب الديار من ديارهم (البقرة ٢٥١)، وادعاء أن لله ولدًا (آل عمران ٦٣)، وإيقاد نار الحرب بين الناس (المائدة ٦٤)، وبخس الكيل والميزان وأشياء الناس عمومًا (الأعراف ٨٥، هود ٨٥، الشعراء ١٨٣)، وقطع السبيل (الأعراف ٨٦، العنكبوت ٢٩)، والصد عن سبيل الله (الأعراف ٨٦، النحل ٨٨)، والطغيان في السلطة (الأعراف ١٠٣)، والبغي على الناس (القصص ٧٦)، وتفريق الأمة إلى شيع (الأعراف ١٤٢، القصص ٤)، واتخاذ الكافرين أولياء (الأنفال ٧٣)، والسحر (يونس ٨١)، والترف (هود ١١٦)، والإسراف (الشعراء ١٥١)، والسرقة (يوسف ٧٣)، وجحد آيات الله تعالى (النمل ١٤)، وإذلال أعزة أهل القرى (النمل ٣٤)، واستضعاف طائفة بعينها بقصد العلو في الأرض (القصص ٤، ٧٦)، والفاحشة بين الرجال (العنكبوت ٢٩)، وقطع الرحم (محمد ٢٢)، فهذه خمس وعشرون وسيلة فصلت طرق الفساد، فإذا درسناها وربطناها بوسائل أخرى متعلقة بها وإن لم تُذكر مباشرة في النص وصلنا إلى تصور متكامل لمنظومة الفساد في كل عصر، واستطعنا بالتالي أن نرسم مسارات علمية وعملية لتحقيق مقصد الإصلاح ومحاربة الفساد في واقعنا المعيش.
ووسائل الفساد المذكورة وما يتعلق بها هي كلها علامات على نفاقهم، إلا أنه حدث في الثقافة الإسلامية العامة نوع من التبسيط المخل لفساد المنافقين حتى اختُزل في البعد الأول فقط وهو إظهار الإيمان واستبطان الكفر، أو في بُعد ”النفاق الأصغر“ كما تأول البعض الحديث، ولكن لا مناص من أن نأخذ بعين الاعتبار كل وسائل الفساد المذكورة لكي نفهم النفاق ونصنف المنافقين في التاريخ وفي الواقع، فمثلًا: الفساد في الأرض بالقتل الذريع وسفك الدماء المحرمة هو علامة بينة على النفاق واستبطان الكفر بالله واليوم الآخر، وقد قرأنا في التاريخ ورأينا في واقعنا من يدّعون الإسلام في مواقع مختلفة من الحُكم ثم لا يتورعون عن قتل الأبرياء العزّل -وعلى رأسهم ورثة الأنبياء من العلماء والمصلحين- من أجل دنيا يصيبونها أو كراسي يتصارعون عليها، بل ويقتلون من أجل ذلك بدم بارد النساء والأطفال والشباب من القرّاء والصالحين والمنادين بالحقوق والذين يأمرون بالقسط من الناس، وبعضهم لا يتورع عن إيقاد نار الحرب بين المسلمين بأموالهم وإعلامهم، ثم يتخذون الكافرين من أعداء الإسلام أولياء مناصرين يقتلون بهم إخوانهم من المسلمين، وهذه كلها علامات نفاق واضحة ودليل على غياب الإيمان من دخيلة نفوس هؤلاء الناس ولو ادعوا الإسلام وتسموا بأسماء المسلمين. ونقرأ في صفحات التاريخ مثال آخر من فساد المنافقين في الأرض حين ادعوا أن لله سبحانه أولادًا، ويشير القرآن إلى أن هذا الكذب الكبير تبناه أناس حملوا ألقاب الأحبار والرهبان ولكنهم لم يحملوا الدين بل أفسدوا عقائد المؤمنين: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا – التوبة ٣٠-٣١)، وعن عدي بن حاتم الطائي: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ: (يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ)، وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءة: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، قالَ: (أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه، فتلك عبادتُهم)،[1] ثم تمادى المنافقون من الأحبار والرهبان فحرّفوا الدين نفسه من أجل المال. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله – التوبة ٣٤). وقراءة تاريخ المسيحية من خلال تصور إسلامي فيها أن بولس الطرسوسي (ت. نحو ٦٤م) كان من هؤلاء المنافقين، إذ أنه انضم أولًا للمؤمنين بعيسى عليه الصلاة والسلام بعد وفاته وادعى أنه منهم، ثم أتى بفرية ألوهية المسيح مما نتج عنه طرده من صفوفهم كما نقرأ في روايات التاريخ غير المعتمدة من الكنيسة،[2] وبولس هو الذي اخترع عبادة المسيح عليه السلام، وهو الانحراف الذي تبناه الرومان فيما بعد وفرضوه بالحديد والنار ثم اضطهدوا الأريسيين الموحدين أتباع آريوس البرقي (ت. ٣٣٦م)، ثم حرفوا تاريخه بعد أن قتلوه كما يفعل المنتصرون في كل عصر، وسيأتي في مواضعه.[3]
و(الأرض) المذكورة في هذه الآية يتعلق بها مقصد الإصلاح ومقاصد كبرى، كالاستخلاف (البقرة ٣٠، الأعراف ٧٤، ١٢٩، يونس ١٤)، والتوريث (الأعراف ١٠٠، ١٢٨)، والعُمران أو الاستعمار حسب التعبير القرآني (هود ٦١)، والضرب أو السير (البقرة ٢٧٣، آل عمران ١٣٧، المائدة ١٠٦، يوسف ١٠٩)، وأكل الحلال (البقرة ١٦٨)، والهجرة (النساء ١٠٠)، والتَّبَوُّء (الأعراف ٧٤، يوسف ٥٦)، ويتعلق بالأرض كذلك عدد من السنن الإلهية كالتدافع (البقرة ٢٥١، المائدة ٢١)، والتداول (الأنعام ٦، إبراهيم ١٤)، وأممية الأحياء (الأنعام ٣٨)، والتمكين للمؤمنين (الأعراف ١٠، الأنفال ٢٦)، والرزق (الأعراف ٩٦، الأنفال ٢٦، يونس ٣١، النحل ١٣)، وعدة الشهور (التوبة ٣٦)، ومكوث الخير (الرعد ١٧)، وغير ذلك مما يأتي في مواضعه متعلقًا بالأرض.[4] وبالتالي فكلمة الأرض المذكورة في هذه الآيات هي مفهوم له أبعاد متنوعة، سواء بالمعنى العام لكل أرض ولو كانت في الآخرة، أو بمعنى كوكب الأرض في مقابل السماء أو السماوات، أو للدلالة على قطعة أرض بعينها، وكل ذلك داخل في المفهوم وله تعلق بالإصلاح والإفساد.
[1] من حديث عدي بن حاتم الطائي، الترمذي ٣٠٩٥، ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٨٩، البيهقي ٢٠٨٤٧.
[2] وتأتي في مواضعها قراءتنا الخاصة لتاريخ النصرانية الأول من خلال تصور إسلامي لوثائق البحث الميت المكتشفة حديثًا، وفيه ندرس دور بولس النفاقي مع ”النَّصِيريين“ (نازارينا باللاتينية)، الذين استنتجنا أنهم هم المؤمنون الأوائل (الذين قالوا إنا نصارى) وليسوا من طوائف اليهود كما زعم الباحثون المعاصرون الذين فصلوا زورًا كل وثائق البحر الميت عن تاريخ النصرانية خدمة للكنيسة المعاصرة. راجع: زينب عبد العزيز، المساومة الكبرى من مخطوطات قمران إلى المجمع المسكوني الثاني، ٢٠٠٦
Michael Baigent and Richard Leigh, The Dead Sea Scrolls Deception: The explosive contents of the Dead Sea Scrolls and how the Church conspired to suppress them, Touchstone, 1991.
[3] وراجع التفاصيل في ما كتبه الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني في: ظاهرة النفاق وخبائث المنافقين في التاريخ، دمشق: دار القلم، ١٤١٤، تحت عنوان: المنافق اليهودي بولس وتحريفه الديانة النصرانية، ٤٩٨-٥٠٨، وتأريخ لما قام به بولس كما رواه ابن حزم الأندلسي عن أحبار اليهود في كتابه: الملل والنحل، القاهرة: مكتبة الخانجي، ٢٢١.
[4] راجع التعليقات عند كل من هذه الآيات في مواضعها.
Lorem Ipsum