[email protected] +(00) 123-345-11

ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12)

ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12)

أن يفسد الإنسان في الأرض وهو لا يشعر لهو أمر خطير ومن مقاصد ذكره هنا أن يحذر منه المؤمنون الصادقون، إذ أن ذلك الإفساد الذي لا يشعر به صاحبه قد يشجعه عليه الناس بل ويمدحونه ويثنون على صلاحه وإصلاحه وهو لا يدري أنه فاسد مفسد، والعياذ بالله، وهذا النوع من الإفساد الذي يدعي في ظاهره أنه إصلاح ينبغي أن يتنبه إليه أهل الإيمان وأن يحذروا من الوقوع فيه ومن عواقبه الوخيمة وأن يستعيذوا بالله تعالى منه.

وأما سؤال ”كيف نعرف الفساد من الصلاح“ فجوابه هو في العودة إلى التصور الإسلامي لنحتكم إليه ونقوّم ونقيّم الواقع عن طريق ما نسميه في عصرنا بالـ ”معايير“ التي يستهدفها العاملون على كل المستويات العمل. فمعايير التصور الإسلامي تعيننا على معرفة الحقيقة حين نرى المنافقين يفسدون في الأرض بإشاعة الفواحش مثلاً باسم دعاوى إصلاحية كاذبة كالحريات والحقوق، فيدمرون الأسرة والأخلاق والنسيج الاجتماعي الإنساني الفطري ثم يدعون أنهم يستهدفون الوفاء بـ ”معايير الحرية“ أو ”وثائق حقوق الإنسان“ أو غيرها من الدعاوى التي لم تمر على مصفاة النقد الإسلامي حتى تفصل الغث من السمين والصالح من الفاسد من تلك المعايير، ونراهم – كمثال آخر – يدمرون بيئة الإنسان والحيوان والزرع أو بالتعبير القرآني يهلكون الحرث والنسل ثم يدعون أنها من أجل مصالح الصناعة في دولة ما أو غيرها من الدعاوى التي لم تُدرس من منطلق إسلامي ووفقًا للمعايير الإسلامية، وهذه قضايا مركبة تحتاج لبحث مركب ينطلق من مقاصد سليمة حتى يتبين الفساد من الصلاح: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين – يونس ٨١).

والأسلوب في هذه الآية يقصد إلى معاني بعينها، فأداة التنبيه (ألا) تقصد إلى الإعلان والإشاعة للخبر الآتي بعدها وكأنها تحض المؤمنين على الإعلان عن هؤلاء المنافقين وفضحهم حتى يتبين فسادهم للغافلين السذج، وأسلوب (إنهم هم المفسدون) وليس (إنهم المفسدون) يفيد القصر، أي أن فئة المنافقين كلها داخلة في فئة المفسدين وليس هناك منافق غير مفسد، ولا يعني بالضرورة قصر الفساد على المنافقين فقط كما ذكر بعض أهل التأويل، فقد يصدر الفساد من المسلمين.

وعدم الشعور هنا لا يرفع المسؤولية عن هؤلاء في الدنيا ولا في الآخرة، فنظرية المسؤولية في الإسلام لا ترفعها لعدم إدراك المجرم للجريمة إلا أن يكون مُكرَهًا، كما قال تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن – النحل ١٠٦)، وكما قال ﷺ: (إنَّ اللهَ تجاوَز عنْ أُمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليه)،[1] ولكنّ هؤلاء المنافقين مسؤولون لأنهم اختاروا النفاق أولًا وبالتالي فنتائجه من الإفساد في الأرض مسؤوليتهم، كمن يختار أن يفقد عقله سُكرًا فيظل مسؤولًا في الشريعة عن أفعاله التي يفعلها ولو في حالة السّكر، وذلك كما قال تعالى عن الذين يحملون أوزارًا يوم القيامة لم يعلموا عنها في الدنيا، والعياذ بالله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون – النحل ٢٥)، فلأنهم نشروا الضلال فقد أصبحوا مسؤولين عن كل من يضل بضلالهم ولو لم يعرفوه.

[1] من حديث عبدالله بن عباس، قال الأرنؤوط في صحيح ابن حبان ٧٢١٩: إسناده صحيح على شرط البخاري.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة