وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13)
وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13)
من صفات المنافقين كما تبينها هذه الآية إسقاط أحوالهم الفاسدة كذبًا على الآخرين فيتهمون الآخرين بما هي صفاتهم وتهمهم في أصل الأمر، فهم هنا يتهمون المؤمنين بالسفاهة، رغم أن السفاهة الحقيقية هي في النفاق، ولكن المنافقين عندهم خلل قيمي فيرمون المؤمنين بالسفاهة -منذ عهد نزول القرآن وإلى يومنا هذا- بناء على استخدام العرب للفظ السفاهة للدلالة على ضعف التدبير للمال، كما قال تعالى: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ – النساء ٥)، وهم بذلك يربطون ضعف التدبير للمال بفقر المؤمنين الذي كان ظاهرًا خاصة في المرحلة المكية، والحق أن الفقر ظاهرة مركبة لا تتعلق بضعف التدبير للمال من الفقير بقدر ما تتعلق بفساد النظام السياسي والاقتصادي وإهدار الزكاة والإنفاق حتى يصبح المال دُولة بين الأغنياء فيحرم منه الفقراء حتى ولو كانوا في منتهى القدرة على التدبير الحسن للمال، وسوف يأتي في مواضعه عرض لمعالجة الإسلام للفقر بمعالجة أسبابه الحقيقية، لا باتهام الفقراء بالمسؤولية عنه.
وقوله تعالى: (آمنوا كما آمن الناس) لا يعني أن يكون المرء مقلدًا تقليدًا أعمى ويؤمن بأشياء لمجرد أن الناس آمنوا بها، فأمانة تكليف الإنسان تعني في أصلها أن يختار الإيمان بوعي وبصيرة وحرية، ولذلك فقد قال ﷺ: (لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النّاسُ أحسنّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا)،[1] وإنما لفظة الناس هنا قُصد بها تحديدًا المؤمنون العقلاء الحكماء منذ عهد الرسالة وإلى اليوم، وذلك في اللسان العربي مثل: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا – آل عمران ١٧٣)، وقصد التعبير بالناس هو أن المؤمنين المشار إليهم هم ناس من الناس ليس في إيمانهم شيء عجيب بل هو طبيعي ومعقول، ولكن المنافقين رفضوا.
ومن الأخطاء المنهجية في مفهوم السفاهة عند بعض المفسرين أن يدخلوا فيها النساء والصبـيان جملة واحدة، بناء على تفسير بعض الفقهاء لقوله تعالى: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ الله لَكُمْ – النساء ٥)،[2] وخطأ هذا الكلام أنه لا دليل عليه من الوحي أو الواقع، بل كلاهما ينفيه، وإنما صدر من البعض انطلاقًا من تحيزات اجتماعية بدعية ضد المرأة والطفل، فكم من امرأة تدبر المال أفضل من كل الرجال، ولا يليق بها وصف ”السفاهة“، وكفى بأمثلة ملكة سبأ وأم المؤمنين خديجة والشفاء بنت عبد الله الصحابية رضي الله عنهن وغيرهن، وكم من غلام عاقل واع لا يليق به وصف ”السفاهة“ كذلك، وكفى بأمثلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كإسماعيل ويحيى وغيرهما التي حكا القرآن عن فضائلهم وتوليهم للمسؤوليات الكبيرة وهم ما زالوا صبية، وكفى بأمثلة الصحابة الأوائل من صغار السن كعلي بن أبي طالب وأم المؤمنين عائشة والأرقم بن أبي الأرقم وغيرهم،[3] وكم من رجل بالغ ينطبق عليه مفهوم السفاهة ويستحق الحجر المالي والقانوني، فمفهوم السفاهة يدور مع ضعف الرأي والتدبير بغض النظر عن الكبر أو الصغر، والذكورة أو الأنوثة، والغنى أو الفقر.
وتكرار الأسلوب في هذه الآية يقصد إلى نفس المعاني التي قصدها الأسلوب في الآية السابقة، فأداة التنبيه (ألا) تقصد كذلك إلى الإعلان والإشاعة للخبر الآتي بعدها وكأنها تحض المؤمنين على الإعلان عن هؤلاء المنافقين وفضح سفاهتهم، وأسلوب (إنهم هم السفهاء) وليس (إنهم السفهاء) الذي يفيد القصر يعني أن فئة المنافقين كلها داخلة في فئة السفهاء وليس هناك منافق غير سفيه.
وهؤلاء السفهاء المنافقون إذا تأمروا على الناس فإمارتهم من أسوأ أنواع الإمارة، وحذر منها النبي ﷺ تحذيرًا مباشرًا فقال لجابر بن عبد الله رضي الله عنه: (أعاذك اللهُ من إمارة السفهاءِ)، قال: وما إمارةُ السفهاءِ؟ قال: (أمراءٌ يكونون بعدي، لا يهتدون بهديي، ولا يستنُّون بسُنَّتي، فمن صدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني، ولست منهم، ولا يَرِدُون عليَّ حَوضي. ومن لم يُصدِّقْهم بكذبهم، ولم يُعِنْهم على ظُلمِهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيرِدُون عليَّ حَوْضي)،[4] وحذر في الحديث الصحيح من هلاك الأمة على يد بعض السفهاء الأحداث وتحديدًا من قريش، فقال: (هلاكُ أُمَّتي على أيْدي أُغَيلمَةٍ سُفهاءَ مِن قُريشٍ).[5]
[1] من حديث حذيفة بن اليمان، سنن الترمذي ٢٠٠٧ وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
[2] راجع مثلًا تفسير الطبري في تفسير هذه الآية وآية سورة النساء.
[3] وسوف يأتي -بالمناسبة- حديث مفصل وأدلة كثيرة عن سن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين تزوجت النبي ﷺ أنها كانت أقرب للتاسعة عشرة أو السابعة عشرة وليس سن التاسعة أو السابعة كما رُوي. راجع عند: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح – البقرة ٢٣٧).
[4] من حديث جابر بن عبد الله، أورده الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٧٣٥٩ [وسكت عنه وقال في المقدمة: رواته ثقات احتج بمثله الشيخان أو أحدهما]، أحمد ١٤٤٨١.
[5] من حديث أبي هريرة، رواية الطيالسي في المسند ٢٦٣٠، أحمد ٨٣٠٤ وقال فيه شاكر: إسناده صحيح، وقال شعيب الأرنؤوط في تخريج صحيح ابن حبان ٦٧١٣: صحيح، وأخرجه مطولاً البخاري ٣٦٠٥ دون كلمة: “سفهاء”،
Lorem Ipsum