[email protected] +(00) 123-345-11

أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16)

أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16)

الحديث هنا عن التجارة والشراء والربح ليس من باب التشبيه أو الاستعارة البيانية، بل هو حديث حقيقي، ذلك لأن مفاهيم التجارة والبيع والشراء في التصور الإسلامي ليست مفاهيم دنيوية مادية فحسب، بل هي متعلقة كتعريفات بمقصد له وجهان: دنيوي وأخروي، ألا وهو مقصد الربح. أما الربح الدنيوي فمقصده في التصور الإسلامي السليم ليس التكاثر من الأموال والأولاد والمتاع والحرث أو كَنز الذهب والفضة بقدر ما هو كسب ”الرزق“، وهو معنى مختلف عن التكاثر وعن الكَنز، فالتجارة في الإسلام لها نظام يختلف عن النظم الرأسمالية الربوية والشيوعية الاحتكارية جميعًا، وهذه أسس قرآنية يمكن أن تُبنى عليها نظرية اقتصادية اسلامية معاصرة، وسوف نشير إلى تفاصيلها في مواضعها.

ولكن الربح الحقيقي في التصور الإسلامي هو الربح الأخروي، أي تحصيل ما عند الله من جزاء، وهو هدف يسعى له المؤمنون: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين – الصف ٩-١٣)، فالنصر والفتح في الدنيا هي ”أخرى تحبونها“، وقد يراها المؤمن في حياته أو لا يراها، ولكن الربح الحقيقي هو في المغفرة والجنة وهو هدف التجارة الأصلي.

هذا وقد بعدت الثقافات الإسلامية العامة كثيرًا عن هذه المفاهيم الأصلية، وزاد الطين بله أن ظهرت في القرنين الأخيرين حركات فكرية تشرعن للنظم الاقتصادية المعاصرة التي فرضها الاحتلال على أمة الإسلام، فبررت بعض الأطروحات الفكرية لهذه النظم الربوية -رأسمالية أو شيوعية- الباطلة في أساسها باسم ”التوافق مع الشريعة“ مما أبعد التصور الإسلامي العام عن تلك المفاهيم الإسلامية الأصلية، ولكن إذا كان ”الربح“ معرفًا على أن مقصوده تحصيل ما عند الله من ثواب في الآخرة بالإضافة إلى تحقيق ”الرزق“ للعباد في الدنيا، فإنه حتمًا سيؤدي إلى إشاعة ثقافة الوقف أي حبس الأملاك في سبيل الله، مما يثمر اقتصادًا مختلفًا تمام الاختلاف عن الاقتصادات في مفهومها المعاصر، ويأتي تفصيل ذلك في مواضعه خاصة في سياق حديث هذه السورة عن الربا.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة