مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17)
مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17)
هذا أول مثل مباشر من أمثال القرآن الكريم، والأمثال من أكبر وسائل القرآن في البيان والتربية والتعليم، ولها مقاصد متنوعة تأتي في مواضعها من التنزيل الحكيم، والقرآن ينص على أن الأمثال نفسها موضوع من موضوعاته، بل ويبين أن الأمثال لا تقتصر على ما يذكر النص صراحة أنه ”مثل“، بل يدخل في المثل القرآني ما يمكن أن نعتبره حسب مصطلحات علم البيان استعارة بيانية: فهذه استعارة بيانية اعتُبرت من ”الأمثال“ بنص الآية الكريمة: (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم – محمد ٣)، وأحيانًا يصحب المثل القرآني نص على المقصد منه جملة أو تفصيلًا، وأحيانًا أخرى يكون المثل مفتوحًا لاستنباط مقصده، وهو طريق من طرق التعرف على مقاصد القرآن الكريم سلكناه، وقد يحسن بنا في هذا الموضع الأول من الأمثال في القرآن الكريم أن نلخص أقسام المقاصد العامة للأمثال القرآنية كما نراها ونشير معها إلى بعض مواضعها، وقد بدا لنا منها عشرين مقصدًا:
أولًا: مقصد المجادلة لتثبيت الإيمان عن طريق التصوير: فالإنسان يجادل كثيرًا، ومن أكبر الوسائل التي يستخدمها الإنسان في الجدل ضرب الأمثال، فردّ القرآن على ذلك بقوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا – الكهف – ٥٤)، وبالتالي فالأمثال في حد ذاتها من الآيات والحجج على الإيمان: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون – الروم ٥٨).
ثانيًا: مقصد الرد على شبهات السائلين والمشككين بصور تفسيرية: من ذلك قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا – الفرقان – ٣٣)، (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا – الإسراء ٨٩)، (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون – آل عمران ٥٩)، (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب – الحج ٧٣)، وما إليها من أمثال ترد على شبهات السائلين والمشككين.
ثالثًا: مقاصد القصص القرآني من مقاصد للأمثال: والقصص القرآني كله يضعه القرآن تحت باب الأمثال وبالتالي فمقاصد القصص تندرج تحت مقاصد الأمثال، مثل: (واضرب لهم مثلا رجلين – الكهف ٣٢)، (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون – يس ١٣)، (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات – الرعد ٦)، (فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين – الزخرف ٥٦)، (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد – هود ٨٩)، (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط … وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون … ومريم ابنة عمران – التحريم ٩-١٢)، وهكذا.
رابعًا: مقصد الابتلاء بالأمثال للفاسقين الجاحدين: فالمثل يهدي من أراد الهدى ويضل الفاسقين: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين – البقرة ٢٦)، وفي مثل آخر: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا – المدثر ٣١).
خامسًا: مقصد بيان أخطاء منهجية في التعامل مع كتاب الله عن طريق الصورة: كالذين يحملون كتاب الله ولا يفقهونه: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا – الجمعة ٥)، أو الذين جزّأوا معاني القرآن وقطعوا صلات الوصل بينها: (كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين – الرعد ٩٠-٩١)، أو الذين يتبعون غيرهم اتباعًا أعمى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون – الزخرف ٢٢)، والأمة هنا هي الطريق والمثل في صورة اقتفاء الأثر.
سادسًا: مقصد تعليم عقائد لا تُدرك إلا بصور الأمثال: من ذلك قوله عن نفسه سبحانه: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم – النور ٣٥)، وقوله عن ”كلمات الله“: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا – الكهف ١٠٩)، وما إلى ذلك من عقائد تقرّب الأمثال تصورها.
سابعًا: مقصد تنزيه الله تعالى عن الأمثال أصلًا: فهو يبين أنه لا ينبغي لنا تصوره في أي من صور البشر ولا حتى بضرب الأمثال له سبحانه في ما لا نعلم، فإنه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير – الشورى ١١)، والتعبير هنا لم يكن ليس ككونه شيء، وإنما (ليس كمثله شيء) نافيًا الأمثال أصلًا، والأمثال التي يضربها لنفسه سبحانه أمثال عليا غير أمثال البشر: (وله المثل الأعلى في السموات والأرض – الروم ٢٧)، ولا ينبغي للبشر المحدود أن يضرب لله الأمثال: (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون – النحل ٧٤)، ونعى القرآن المجيد على الذين يضربون لله الأمثال الباطلة: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم – يس ٧٨)، (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم – الزخرف ١٧).
ثامنًا: مقصد بيان مقام الرسول ﷺ بما قد لا يُدرك إلا بالصورة: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا – الأحزاب ٤٥-٤٦)، فتشبيهه ﷺ بالسراج يحمل معاني كثيرة، ويذكرنا بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلُقه عليه الصلاة والسلام فضربت مثلًا قائلة للسائل: ألستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟ قال: بلى، قالت: (فإنَّ خُلُقَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان القُرآنَ)،[1] وهذا مثل جامع يصوّر تفاصيل تخرج عن الحصر بعبارات مباشرة، وهناك أيضًا تحذير من ضرب الأمثال الباطلة للرسول ﷺ، كالذين اتهموه بالسحر: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا – الإسراء ٩، ٤٨).
تاسعًا: مقصد بيان الحالات النفسية المركبة التي قد لا تصفها الأوصاف المباشرة: كهذا التصوير العجيب في الآية التي نحن بصددها والتي تليها لبيان حال المنافقين: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين – البقرة ١٧-١٨)، ومنها: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون – الروم ٢٨)، ومنها قوله تعالى: (كباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه – الرعد ١٤)، وغيرها.
عاشرًا: مقصد الحض على الإيمان بالتحبيب فيه عن طريق الصورة الحسنة: كتشبيه الإيمان بالحياة بعد الموت والنور المضيئ للطريق في قوله تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون – الأنعام ١٢٢)، وتشبيه الإيمان بنور العين في قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون – هود ٢٤)، وغير ذلك.
حادي عشر: مقصد الحض على تجنب الكفر بالتكريه فيه عن طريق الصور القبيحة: كتشبيه عمل الكفار في قوله تعالى: (كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد – ابراهيم ١٨)، أو: (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه – النور ٣٩)، وتشبيه المنافق بالكلب اللاهث في قوله تعالى: (ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا – الأعراف ١٧٦)، (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون – الأنفال ٢٢)، وغيرها.
ثاني عشر: مقصد الحض على العمل الصالح بالتحبيب فيه عن طريق الصورة المستحسنة، كما في قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل – البقرة ٢٦١)، (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة – البقرة ٢٦٥)، (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة – ابراهيم ٢٤)، وغير ذلك.
ثالث عشر: مقصد النهي عن العمل السيء بالتكريه فيه عن طريق الصورة المستقبحة، كما في قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس – البقرة ٢٧٥)، (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته – آل عمران ١١٧)، (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة – ابراهيم ٢٥)، وغيرها.
رابع عشر: مقصد التربية بتقريب فقه القلب، كما في قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين – النور ٣٤)، (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما – الحديد ٢٠)، (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال – ابراهيم ٥٤)، وأمثال ذلك.
خامس عشر: مقصد بيان سنن إلهية بصور تقربها للأذهان: كسنة بقاء الحق وزهوق الباطل، كما في قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال – الرعد ١٧)، وسنة هلاك الظالمين: (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد – غافر ٣١)، وسنة الابتلاء: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب – البقرة ٢١٤)، وسنة التغيير: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون – النحل ١١٢)، وأمثال ذلك.
سادس عشر: مقصد تقريب ما لا يدرك من المعاني الغيبية في صور محسوسة: كتصور الجنة، كما في قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى – محمد ١٥)، (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها – الرعد ٣٥)، وتصوير وطأة القرآن على النفس: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون – الحشر ٢١)، وأمثال ذلك.
سابع عشر: مقصد إقامة العدل بتصوير التساوي بالمثل: فمن العدل مراعاة العقوبة بمثل الجريمة، كما في قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين – النحل ١٢٦)، ومن العدل مراعاة التماثل في الكفارات: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم – المائدة ٩٥)، ومن العدل عدم التسوية بين المختلفين: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين – التوبة ١٩)، وغيرها من التماثلات.
ثامن عشر: مقصد بيان التحريف في الكتب السابقة: وذلك بضرب الأمثال من الكتب السابقة، والتي حذفوها ضمن ما حذفوا من كلام الله تعالى، كالمثل في سورة الفتح: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما – الفتح ٢٩)، وفي الآية كذلك دلالة على أن الأمثال كانت أداة للبيان في الكتب السابقة مما يقصد إلى بيان تحريفها، إذ أن هذين المثلين غائبَين تمامًا من كتب أهل الكتاب الحالية بعد تحريفها.
تاسع عشر: مقصد فتح آفاق علمية للبشر بتقريب فهم الخلق: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون – العنكبوت ٤٣)، ومن ذلك فتح آفاق العلم البشري بتقريب العلم بالمخلوقات الأخرى بمثل الأممية: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون – الأنعام ٣٨)، وضرب المثل بالعنكبوت يفتح للتفكر والدارس علمًا جمّا في حياة هذا الكائن: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون – العنكبوت ٤١)، وضرب المثل بالبعوض والذباب يفتح آفاقًا علمية أخرى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين – البقرة ٢٦)، وهذه الأمثال وغيرها تفتح باب التعلم من الخلق الطبيعي وهو المفتاح الأساس في المخترعات البشرية كلها، فلم يمكن اختراع الطائرة دون مثل الطير، ولا الغواصة دون مثل السمك، وهذا كما قال تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين – المائدة ٣١)، وكما قال: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا – الإسراء ١٢).
عشرون وأخيرًا: مقصد تعليم تأويل الرؤى عن طريق عالم المثال: فالأمثال يمكن أن تُفهم كصور متخيلة تعبر عنها التشبيهات أو الاستعارات البيانية، ويمكن أن تُفهم كحقائق واقعية ولكنها ليست من عالمنا بل من العالم الذي اصطلح علماء الإسلام على تسميته بعالم المثال.[2] وهذا العالم يشتمل على أبعاد وعوالم لا يستطيع البشر إدراكها نظرًا لأجسادهم المادية التي تحتوي نفوسهم، فكان من نعم الله تعالى أنه خلق التمثّل لكي تظهر هذه العوالم في صورة معقولة للبشر: إما في رؤى المنام أو حتى في الواقع المشاهد. أما رؤى المنام فهي مبشرات يرسلها الله تعالى لعباده ليهديهم وينصرهم ويقضي أمرًا كان مفعولًا: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور. وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور – الأنفال ٤٣-٤٤)، ودور الرؤيا في قصة يوسف من هذا الباب: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا – يوسف ١٠٠)، وعن عبادة بن الصامت أنه ﷺ قال: (رُؤيا المُسلِمِ جُزءٌ مِن سِتَّةٍ وأربعينَ جُزءًا مِن النُّبوَّةِ).[3]
وتمثلات المعاني في صور الرؤى هي نفسها التمثلات في أمثال القرآن الكريم، وبالتالي فالأمثال في القرآن هي مفتاح تأويل الرؤى، كرؤية النبي ﷺ لبعض الصحابة وعليهم قمصان، فعن أبي سعيد الخدري، قال ﷺ: (بيْنا أنا نائِمٌ رَأَيْتُ النّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، ومنها ما دُونَ ذلكَ، وعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ وعليه قَمِيصٌ يَجُرُّهُ). قالوا: فَما أوَّلْتَ ذلكَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: (الدِّينَ)،[4] وهذا التأويل من المثل المضروب في الآية الكريمة: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير – الأعراف ٢٦)، وقال ﷺ: (وأحبُّ القَيدَ في النَّومِ وأكرهُ الغُلَّ، القيدُ ثباتٌ في الدينِ)،[5] وهذا التأويل من المثل المضروب في الآية الكريمة: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها – البقرة ٢٥٦)، وعن عبدالله بن عباس قال: رأى رجُلٌ رؤيا، فجاء للنبيِّ ﷺ فقال: إنِّي رأيتُ كأنَّ ظُلَّةً [أي سحابة] تَنطِفُ عسَلًا وسَمنًا، فكان الناسُ يأخُذونَ منها، فبينَ مُستكثِرٍ وبينَ مُستقِلٍّ وبينَ ذلك، وكأنَّ سببًا مُتَّصِلًا إلى السماءِ .. قال أبو بكرٍ: ائذَنْ لي يا رسولَ اللهِ، فأعبُرَها فأذِنَ له، فقال: أمّا الظُّلَّةُ: فالإسلامُ، وأمّا العسَلُ والسَّمْنُ: فحَلاوةُ القرآنِ، فبينَ مُستكثِرٍ، وبينَ مُستقِلٍّ، وبينَ ذلك، وأمّا السبَبُ: فما أنتَ عليه،[6] وهذا التأويل يبدو لي مستنبطًا من الأمثلة المضروبة في الآيات الكريمات التالية: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات – الأعراف ٥٧)، (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور – يونس ٥٧)، (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس – النحل ٦٩)، (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا – آل عمران ١٠٣). وهكذا يمكن أن تفسر الرؤى بناء على الأمثال القرآنية، وهاك أمثلة: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة – ابراهيم ٢٤)، (كأمثال اللؤلؤ المكنون – الواقعة ٢٣)، (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل – البقرة ٢٦١)، (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن – البقرة ١٨٧)، (سلقوكم بألسنة حداد – الأحزاب ١٩)، (ارْفُقْ بالقواريرِ)، يعني النساء،[7] بالإضافة للتأويلات في القرآن والسنة مباشرة مثل: (أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين – يوسف ٤)، (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات – يوسف ٤٣)، (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس – الإسراء ٦٠)، وقس على ذلك.
والتمثل من أبعاد أخرى إلى عالم الإنسان لا يقتصر على الرؤيا المنامية بل قد يحدث في رؤية اليقظة في صورة تمثّل حقيقي: (فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا – مريم ١٧)، وتمثّل جبريل عليه السلام في حديث عمر بن الخطاب عن أركان الإسلام والإيمان: كنّا عندَ رسولِ اللهِ فجاءَ رجلٌ شديدُ بياضِ الثِّيابِ شديدُ سوادِ الشَّعرِ لا يرى عليهِ أثرُ السَّفرِ ولا يعرفُه منّا أحدٌ .. فقالَ: (ذاكَ جبرئيلُ أتاكم يعلِّمُكم أمرَ دينِكم)،[8] وتمثَّل جِبريلُ للنَّبيِّ ﷺ على صورةِ دِحيةَ الكَلْبيِّ الصحابي رضي الله عنه، ورأته عائشة أم المؤمنين فقالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ واضعًا يدَيه على معرفةِ فرسٍ وهو يُكلِّمُ رجلًا قلتُ: رأيتُك واضعًا يدَيك على معرفةِ فرسِ دِحيةَ الكَلبيِّ وأنت تُكلِّمُه قال: ورأيتِيه؟ قلت: نعم قال: ذاك جبريلُ عليه السَّلامُ وهو يُقرِئكَ السَّلامَ.[9]
وتتمثل الملائكة في ساح الجهاد -وهو معروف وعليه شواهد أكثر من أن تحصر قديمًا وحديثًا-، كما قال تعالى: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان – الأنفال ١٢)، وتمثل الجن ليستمعوا إلى النبي ﷺ: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين – الأحقاف ٢٩)، ولسليمان عليه الصلاة والسلام: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين – النمل ٣٩)، ويتمثلون لغير الأنبياء عليهم السلام: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا – الجن ٦)، وقَرَأَ أسيد بن حضير رضي الله عنه سورة الكَهْفَ وفي الدّارِ دّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذا ضَبابَةٌ غَشِيَتْهُ [وفي رواية: مِثْلُ القِنديلِ مُدَلًّى بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ]، فَذَكَرَهُ للنَّبيِّ ﷺ، فَقالَ: (إنَّها السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ)،[10] وغير ذلك من التمثلات للعوالم والأبعاد من الغيب في صور من عالم الإنسان في بعد الشهادة المادي الذي يُرى ويُسمع ويُلمس، وذلك من أجل أن يتعامل معه الناس لحِكَم يعلمها الله تعالى.
وأما المثل المضروب في هذه الآية الكريمة ففيه تصوير عجيب لحالة الضياع النفسية للمنافقين وفيها من تركيب التعبير وأساليب البلاغة ما تحار فيه العقول، فالتصوير لحالتهم بدأ بأن مثلهم: (كمثل الذي استوقد نارًا)، أي كمن طلب الوقود لكي ينشئ نارًا لتضيء له ما حوله، فلما نجح في ذلك وأضاءت النار ما حوله فقد بصره. ولكن التعبير القرآني هنا فيه الالتفاتات البلاغية الأربعة التالية:
(١) الأول التفات من الجمع (مثَلهم) -أي مثَل المنافقين- إلى المفرد: (كمثل الذي)، وذلك لكي يصور الحالة النفسية الأولى من بحث المنافق منفردًا عن وقود النار على مستواه الفردي لا ضمن الجماعة، والالتفات الثاني (٢) هو من فعل الإنسان (استوقد نارًا) إلى فعل الله تعالى (ذهب الله بنورهم) ويقصد إلى نقل الحديث عن الاختيار الإنساني إلى العقوبة الإلهية مباشرة والعياذ بالله، دون المرور على ما اقترفوا من سوء ليستحقوا تلك العقوبة، والالتفات الثالث (٣) التفات من الحديث عن المنافق المفرد في (ما حوله) بالعودة إلى جمع المنافقين في (بنورهم)، قاصدًا نقل الحديث من وصف الحالة النفسية لفرد يبحث في الظلمات عن النار إلى وصف حالة نفسية جماعية لمجموعة من العُمْي يتخبطون في الظلمات، وهو أبلغ في التعبير عن التخبط.
ويبدو لي في الآية التفات رابع (٤) في التعبير عن العمَى من فقدان البصر إلى فقدان النور، أي: (ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) وليس (ذهب الله ببصرهم)، قاصدًا الإشارة إلى عمى البصيرة عند المنافقين لا عمى البصر، ويؤيد ذلك تعبير: (وتركهم)، وهو تصوير بياني آخر يشير إلى غضب الله تعالى على المنافقين إذ أن معيته سبحانه لا تنقطع عن أحد، ويؤيد مراد عمى البصيرة كذلك تعبير (في ظلمات) وليس ظلمة واحدة وهي ظلمة عمى العينين بل ظلمات عمى البصيرة، ولهذا فالتعبير بـ (لا يبصرون) لا يُفهم إلا أن يتكامل مع الآيات الأخرى ذات الصلة مثل: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور – الحج ٤٦)، (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون – الأعراف ١٩٨)، وأمثالها من الآيات.
[1] قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٢٤٢٦٩: صحيح على شرط الشيخين، مسلم ٧٤٦، أبو داود ١٣٤٣، النسائي ١٦٠١
[2] راجع فصل ”عالم المثال“ في حجة الله البالغة للدهلوي: حجة الله البالغة، الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، تحقيق: السيد سابق، دار الجيل، ١٤٢٦ هـ، وقد اعتمد الشيخ سيد سابق رحمه الله على نسخة متداولة في المعاهد الإسلامية بالهند، وأعمل على دراسة وتحقيق جديد لهذا الكتاب النفيس مستعينًا بطبعات أقدم، حصلت عليها عن طريق مجمع الفقه الإسلامي بالهند، جزى الله خيرًا أمينه السابق وصديقنا الشيخ أمين العثماني رحمه الله رحمة واسعة.
[3] قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٢٢٦٩٨: إسناده صحيح على شرط الشيخين، البخاري ٦٩٨٧، مسلم ٢٢٦٤، أبو داود ٥٠١٨، الترمذي ٢٢٧١، النسائي ٧٦٢٥، أحمد ٢٢٦٩٨.
[4] البخاري ٣٦٩١، مسلم ٢٣٩٠، النسائي ٥٠١١، أحمد ١١٨٣٢
[5] الألباني في صحيح الترمذي ٢٢٧٠، أبو داود ٥٠١٩
[6] قال الأرنؤوط في تخريج المسند ٢١١٣: صحيح، ابن أبي شيبة ٣١١٢١، أبو يعلى ٢٥٦٥.
[7] من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. قال الأرنؤوط في تخريج المسند ١٢٩٤٤: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[8] من حديث عمر بن الخطاب، مسلم ٨، أبو داود ٤٦٩٥، الترمذي ٢٦١٠، النسائي ٤٩٩٠، ابن ماجه ٦٣، أحمد ٣٦٧.
[9] من حديث عائشة أم المؤمنين، رواية أحمد ٢٥١٧٤، قال الألباني في الصحيحة ٣/١٠٥: إسناده حسن في الشواهد.
[10] من حديث البراء بن عازب في البخاري ٣٦١٤، ومسلم ٧٩٥، وقال الطبراني في المعجم الأوسط ١/٦٤: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد عن أسيد بن حضير إلا بهذا الإسناد تفرد به يحيى بن أيوب.
Lorem Ipsum