[email protected] +(00) 123-345-11

الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22)

الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22)

بعد أن وصف نفسه سبحانه في معرض الآية السابقة بالربوبية للناس وساق حجة الخلْق دليلًا عليه سبحانه، فصّل في هذه الآية بعض نعَم خلقه المحسوسة التي لا يملك أحد إنكارها، والتي أنعم بها على الناس لاستمرار حياتهم وتيسيرها بل والاستمتاع بها، وذلك بذكر اثنتين من أكثر المخلوقات ملاصقة لحياة الإنسان اليومية في أي عصر: الأرض والسماء، واصفًا لهما بوصفَي: الفراش والبناء. والأرض والسماء من المفاهيم متعددة الأبعاد التي يُقصد بذكرها بُعد لها أو أكثر حسب سياق الخطاب، والمقصود هنا في معرض الحديث عن حجج الخلْق أن يفهم كل إنسان كلام الله تعالى عن الأرض والسماء والفراش والبناء حسب علمه، وكلما زاد علم الإنسان كلما منحه كتاب الله فقهًا أعلى وأكثر تفصيلًا: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون – الأنعام ٩٧).

وإننا في ضوء تطور علوم الإنسان قررنا منهجيًا وعلى طول هذا التفسير أن نفرّق بين ثلاثة مستويات من التأويل للمفهوم القرآني الذي يتعلق بوصف الظواهر الكونية في كل أنواعها:

المستوى الأول: مستوى التأويل المباشر، والذي يفهمه الإنسان البسيط قديمًا أو حديثًا بمجرد العودة إلى المدلول اللغوي أو المعنى المباشر للكلام، والذي تدل عليه الأصوات والحروف وتركيبات وتصريف الكلمات العربية، والكلمات العربية في هذا المستوى تحقق المقصود منها في الاعتبار بآيات الله في الكون والتذكير بنعمه على خلقه ووصل العباد بخالقهم عن طريق الحجج المشاهدة، إلى آخر المقاصد.

المستوى الثاني: مستوى التأويل ”العلمي“، أي ما يفهمه الإنسان المعاصر الذي اكتسب علمًا ببعض تفاصيل الكون ووضع نظريات لوصف تلك التفاصيل، ولابد أن يأخذ القارئ الكريم في الاعتبار أن العلوم -القديم منه والمعاصر- هو مجرد حلقة في تطور البشرية، وأن النظريات العلمية قد تتعدد وتختلف، وهي كلها لا تعني بالضرورة ما يحب أصحاب الأدلوجات أن يطلقوا عليه ”حقائق علمية“، وإنما تقترب من الحقائق كلما زادت الأدلة عليها وتبتعد عنها كلما زادت الأسئلة المفتوحة، دون أجوبة ولا حتميات نهائية، وقد تأتي نظرية علمية فتخالف الظاهر من كلام الله تعالى -كما نذكر تاليًا مثلًا في (والسماء بناء)- فيظن الإنسان أن الشيء الذي لا يفهمه غير موجود أصلًا، فيخلط خطأً بين عدم وجود ”إثبات علمي“ في زمن معين وبين عدم الوجود أصلًا، والإيمان هنا يؤدي إلى المستوى الثالث من تأويل المفهوم وهو الاستشراف والاستزادة من العلم: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون – يونس ٥).

المستوى الثالث: في هذا المستوى نحاول أن نستشرف الآفاق العلمية المستقبلية في ضوء العلم القرآني، وذلك بناء على النقد الحالي للنظريات العلمية المعاصرة، سواء من منطلق نقدي يستند فيه الناقد إلى فهم معين للغيبيات المذكورة في الوحي، أو من منطلق يستند فيه إلى ملاحظات أو أسئلة مفتوحة من داخل التخصص العلمي نفسه، وليس هناك نظرية ولا أطروحة من صنع البشر إلا وعليها نقد وينادي أصحاب التخصص النابغين فيه بتطويرها من جانب أو أكثر من جوانبها. والنقد هنا لا يعني الرفض للعلم كما يظن البسطاء، ولا تخطيئ النظرية العلمية بالضرورة، وإنما يعني قبول الاجتهاد العلمي كحلقة من تطور العلوم عبر التاريخ البشري، تقصد إلى الاقتراب من حقائق الأشياء ولكنها لا ينبغي أن تدعي الحقيقة في أسئلة مفتوحة وإجاباتها غير مكتملة، والاجتهاد العلمي مقبول ما دام لا يناقض الحقائق القطعية التي لا تحتمل التأويل من الوحي، ويبقى صحيحًا إلى أن يزداد فهم الإنسان للمفاهيم القرآنية الكونية فيُخطّأ أو يُدقق، والعبارات القرآنية ستبقى أبدًا مفتوحة لتطور الأفهام، مثل: السماوات والأرضين السبع، والحُبُك، والرواسي، ومواقع النجوم، و(بغير عمد ترونها)، و(شواظ من نار ونحاس)، والرتق، والفتق، وفراش الأرض، وبناء السماء، إلى آخرها.

وسوف نطبق هذه المستويات الثلاثة على المفاهيم القرآنية الكونية في كتاب الله تعالى، بادئين بهذين المفهومين من الآية التي نحن بصددها: فراش الأرض وبناء السماء، فالإنسان البسيط الذي يسمع القرآن يفهم كلمة الأرض -في مستوى التأويل الأول- على أنها ما يقف عليه بقدميه، ويفهم فراشها على أنه التربة اللينة والماء الجاري والنبات الملائم لمعيشته وسيره وقعوده وطعامه ونومه، وسوف يدرك بذلك مستوى أول من مستويات عظيم خلق الله وجليل نعمه، مما تتحقق به مقاصد ذكرها في القرآن الكريم.

ولكن الإنسان في عصرنا بعد أن زاد علمه بشيء من تفاصيل خلق الله تعالى له أن يفهم مقاصد أبعد من تعبير ”الأرض فراشًا“، على مستوى ثاني يتعلق بتأويل ”علمي“ للآية، ونكرر أن العلوم المعاصرة هي مجرد نظريات متطورة لا يصح الادعاء فيها أنها حقائق نهائية، فقد نفهم ”الأرض“ اليوم على أنها الكوكب الذي نعيش عليه، أي في مقابل الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية وغيرها من المجموعات والمجرات، ونفهم فَرش الأرض على أنه تمهيد للـ ”الصفائح الأرضية“، و”الطبقات الأرضية“، خاصة طبقة ”التربة الأرضية“ (والمصطلحات اللاتينية العلمية لهم هي: تكتونيا، ستراتا، تيرا، على الترتيب)، وهي نظريات علمية ثلاثة سبرت غور التكامل العجيب والتوازن الدقيق لما لا يحصى من العناصر والعوامل في خلْق الله تعالى من أجل حياة إنسانية ممكنة على هذا الكوكب، وذلك في مقابل مليارات الكواكب والصخور التي عرفناها في الكون وعلمنا من الملاحظة أنها لا تصلح لحياة الإنسان عليها نظرًا لغياب عناصر حيوية من ظاهرة ”الفراش“ الأرضي، وما يتولد عنها من ظواهر كتركيب الماء أو بيئة النبات والدواب أو مكونات الهواء أو درجة الحرارة أو غيرها مما لا يحصى من عناصر الحياة التي انضبطت على كوكب الأرض بميزان دقيق، ومن تمهيد الله تعالى الأرضَ للإنسان -مقارنة بالكواكب الأخرى- أن تتعلق الحرارة والبيئة بنظرية تسمّى بالمسافات الكوكبية، أي مسافة كل كوكب من النجوم النيرة حوله، والتي انضبطت بدقة متناهية بين كوكب الأرض ونجم الشمس، مما تفتقده الكواكب الأخرى حول النجوم الأخرى على حد ما نعلم اليوم، ثم هناك توازنات أخرى نظّرت لها العلوم المعاصرة، منها مثلًا نظرية كتلة الكوكب وتأثيرها على الجاذبية الأرضية -والجاذبية نظرية أخرى تتطور-، والتي ضُبطت قوتها على كوكب الأرض لتناسب الحياة الإنسانية كما نعرفها وتستحيل على الكواكب الأخرى ذات ”الجاذبية“ المختلفة، ونظرية الجاذبية من النظريات التي يمكن أن نفهم من خلالها تعبيرَي فراش الأرض وبناء السماء كما نناقش تاليًا، إضافة إلى نظريات الصفائح والطبقات والتربة الأرضية.

وأما المستوى التفسيري الثالث وهو مستوى استشراف الآفاق العلمية المستقبلية، فيقتضي منا أن نعلم أن النظريات العلمية المعاصرة المتعلقة بالأرض كالصفائح والطبقات والتربة والكتلة والجاذبية الأرضية كلها قد تتطور مع الزمن، حتى ولو شاعت كجزء من وصف الواقع في عصرنا، فقد يأتي زمن لا نصِف فيه إبداع الخلق في فراش الأرض بهذه المصطلحات بل بما سوف يستجد على علم البشر، (وفوق كل ذي علم عليم – يوسف ٧٦)، ولنأخذ مثالًا واحدًا من التطور الذي يحدث اليوم في هذه النظريات، ألا وهو نظرية الصفائح، والصفائح كانت إلى سنوات قليلة ماضية التفسير الوحيد لعملية تكون الجبال، فقالوا إن الصفائح تصطدم عند أطرافها فتبرز الجبال كنتيجة لذلك الاصطدام، ولم يكن لنظرية الصفائح علاقة بنظرية الطبقات الأرضية، ولكنّ آخر الأبحاث تقترح نظريات جديدة فيها تبرز الجبال -على مدار ملايين السنين- في وسط الصفيحة الأرضية لا في أطرافها، وذلك حين يغوص ما يسمونه ”وتد“ من أوتاد الطبقة العليا من الأرض -التي تسمى الغلاف الأرضي (مانتيلوم باللاتينية)- فتلتئم مكانها قشرة الأرض ويرتفع جبل في نفس المكان، وهكذا تظهر نظريات جديدة لتكوّن الجبال نفهم من خلالها مفهوم ”فراش الأرض“ حسب الآفاق الجديدة التي تتفتّح للعلوم الإنسانية.[1]

وكما يتجدد فهم المعاني في كل عصر من هذه العبارة العربية الجامعة في هذه الآية: (الذي جعل لكم الأرض فراشًا)، نفهم على نفس النسق العبارة العربية الجامعة بعدها: (والسماء بناء)، فالإنسان البسيط الذي ينظر إلى السماء -وهذا في المستوى الأول من التأويل- سيفهم البناء على أنه ”سقف“ -كما قال المفسرون جميعًا إلى اليوم- لأنه يعيش تحته وفي حدوده يوجد الهواء الذي يتنفسه ومنه ينزل إليه ضوء الشمس وعلامات النجوم وماء المطر، وهذا القدْر من التأويل يكفي الإنسان لكي يقدر نعمة الله تعالى في خلْق السماء فيسجد لله شكرًا. ولكن عبقرية اللغة العربية تجعل دارس العلوم في عصرنا يفهم تفاصيل أكثر عن خلق الله تعالى في السماوات، فيتسع فهمه عن المقصود من ”بناء السماء“ -وهذا في المستوى الثاني من التأويل- على أنها تلك المجرات الكبرى التي نكتشف أعدادًا هائلة منها كل يوم، ومواقع النجوم التي وُضعت بدقة متناهية من أجل التوازن العام في الكون، والتوازن بين كل هذه الأجسام الهائلة المتحركة الذي نفهمه في إطار ما يطلق عليه اليوم: الجاذبية. وهكذا يمكن أن نؤول مفهوم ”البناء“ على أنه التلاحم بين الأجسام السيارة في الفضاء عن طريق الجاذبية، وقد مر زمن قبل اكتشاف هذا التلاحم ووضع نظرية الجاذبية تفسيرًا له كان فهم بناء السماء فيه يعني معنى السقف أو القبة، ثم تكاثرت الأدلة على مستويات أعلى من التأويل -وهي ”علمية“ أيضًا- كلما اكتُشفت ظواهر وأبعاد فلكية أكبر لهذا الكون، ووُضعت نظريات أكثر تركيبًا لتفسيرها. ولنأخذ -في المستوى الثالث من التأويل للمفهوم القرآني- مثالًا واحد على استشراف الآفاق العلمية للنظريات التي يمكن أن نتخذها إذا ثبتت في قابل الأيام كتأويلات أدق وأكثر تركيبًا لبناء السماء، وذلك بدراسة التطوير -أو التصحيح بمعنى أدق- لـ”نظرية“ الجاذبية، والتي قد يظن طلبة العلم المبتدئون أنها ”حقيقة علمية“ ثابتة، ولكن الواقع أنها من النظريات التي قُدمت لها في القرن الأخير عدد من الأطروحات البديلة لتفسير نفس الظواهر المشاهدة المتعلقة بها بدقة أكبر وتواؤم أعلى مع المكتشفات والنظريات الأحدث، وذلك دون أن تنفي بالضرورة صلاحية النظرية الأولى لحساب أحجام وسرعات ليست متناهية الكبر ولا الصغر.

وجدير بالذكر أن أول من وضع نظرية الجاذبية كما نعرفها هم المسلمون في أوج حضارتهم، بدأ ذلك أبو الريحان البيروني (ت ٤٤٠ هـ/١٠٤٨م) حيث كتب في العقد الثالث من القرن الخامس الهجري في كتابه ”القانون المسعودي“: ”عليها [أي على الأرض] تؤول الأثقال إلى أسفل“،[2] ثم وضع أبو الفتح عبد الرحمن الخازني (ت ٥٥٠ هـ / ١١٥٥م) نظرية الجاذبية -واستخدم لفظ ”الجذب“- فكتب في كتابه ”ميزان الحكمة“ يقول: ”إن الأجسام الساقطة تنجذب نحو مركز الأرض، وإن اختلاف قوة الجذب يرجع إلى المسافة بين الجسم الساقط وهذا المركز“،[3] ثم طور النظرية الإنجليزي إسحاق نيوتن (ت ١٧٢٧م / ١١٤٠ هـ) ووضع لها معادلاته الرياضية المعروفة، ويبدو لي بوضوح أنه قد بنى على نظريات المسلمين السابقة عليه، خاصة أنه قد ثبت أنه كان على دين آريوس البرقي الموحد وكان دارسًا لكتب الحضارة الإسلامية،[4] وهم يدّعون في الدوائر الأكاديمية أن نيوتن هو أول وضع نظرية للجاذبية في التاريخ حين وقعت على رأسه تفاحة انفصلت عن غصن شجرة، وهو غير صحيح، بل من الطريف أن مخطوطة كتاب البيروني ”القانون المسعودي“ التي هي أول نص علمي على نظرية الجاذبية سرقها الإنجليز منذ قرون وما زالت في قسم المخطوطات الشرقية بالمكتبة البريطانية بلندن، وأن كتاب ابن الهيثم ” المناظر“ مترجمًا إلى اللاتينية كان في مكتبة إسحاق نيوتن الشخصية، والتي حوت معه عددًا من الكتب العلمية المترجمة إلى اللاتينية والإنجليزية من مخطوطات مكتبات دمشق وبغداد والأندلس.[5]

ونشهد في البحث العلمي المعاصر عددًا من الأطروحات الموازية لنظرية الجاذبية، والتي قد تتطور وتثبت لتفسر لنا (والسماء بناء) بشكل أدق في قابل الأيام، ففكرة البيروني والخازني كانت أن كتلة الأرض تجذب إليها الأشياء بقوة تتناسب مع مسافة البعد عنها، ثم عمم نيوتن القانون وحسب قوة الجذب بين أي جسمين بناء على حاصل ضرب الكتلتين مقسومًا على المسافة بين مركزيهما ومتناسبًا مع معدل للجاذبية (ج)، وهو رقم حُسبت قيمته تقريبيًا دون حسم لها وتعدّله هيئات المعايير كل حين إلى اليوم، ولكن معادلات نيوتن أثبتت عدم دقتها على مستوى الأجسام الفضائية الكبيرة والبعيدة، فعدل الفيزيائي الشهير أينشتاين (ت ١٩٥٥م / ١٣٧٤ هـ) النظرية من قوة الجذب بين الأجسام إلى ما سماه المنحنى الزمكاني والطاقة، أي أن الأجسام أو الكواكب ليس فيها قوة جذب ذاتية وإنما يغير كتلتها ما حولها من أبعاد المكان والزمان، فتتغير أبعاد المكان نفسه وسرعة مرور الزمان نفسه -حسب هذه النظرية- حول كل جسم بناء على كتلته لتُحدث حولها واديًا من الأبعاد الأصغر بل والزمن الأبطأ فتنحدر إلى ذلك الوادي ما حوله من الكتل الأصغر، وهكذا تتحرك الأجسام -وكذلك الضوء حسب هذه النظرية- تلقائيًا نسبة لبعضها ليس بفعل قوة غامضة تشدها بل بفعل توجهها الذاتي نحو تلك الوديان ”الزمكانية“. ويمكننا أن نفهم ”بناء السماء“ بشكل أدق تأسيسًا على هذه النظرية لأن أبعاد الزمان والمكان تصبح كنسيج واحد -و”النسيج“ هو المصطلح الذي يستخدمه العلماء في هذا المجال- وتتفاعل في أبعاده الكتل من أكبر المجرات إلى ذرات الضوء. هكذا يفهم العلم المعاصر: (والسماء بناء).

إلا أننا – في المستوى الثالث من التفسير العلمي – نضيف أن نظرية الجاذبية تمر بدورها الآن بمراجعات لتجديدها على عدة مستويات، نذكر منها نظرية واحدة جديدة نستشرف من خلالها فهمًا أعمق لـ ”بناء“ السماء، ألا وهي النظرية التي تسمى بالمادة المعتمة، وهي كتلة هائلة أكبر بخمس مرات على الأقل من الكون المرئي يمكننا أن نقيس تأثيرها على الجاذبية الكونية ولكن لا نستطيع أن نراها كأجسام من المادة بناء على ما نعرفه من علوم، إلا أننا نعلم أنها تمسك المجرات في مساراتها ولا يمكن أن تستمر المجرات دون أن تنفجر بدون تلك المادة ”المعتمة“، والتي ما زالت ماهيتها تحت البحث، وهكذا تتطور العلوم والنظريات التي يصنعها الإنسان من أجل فهم أعمق للظواهر الكونية التي يصفها القرآن الكريم بهذه الكلمات الجامعة مثل (والسماء بناء). (وفوق كل ذي علم عليم – يوسف ٧٦).

(وأنزل من السماء ماء) فيها دليل على تعدد معاني الكلمة القرآنية كما أشرنا، إذ أن السماء في (السماء بناء) غير نفس كلمة السماء في (وأنزل من السماء ماء)، لأن الماء متعلق بالسحاب وذلك في أدنى مستويات السماء، وأما الباء في (فأخرج به) فهي إشارة إلى منطق السببية وهو منطق معتمد في التصور القرآني، ولكنه ليس الحجة الرئيسة في الحوادث، بل الغائية هي المنطق الأقوى والأكثر ذكرًا في كتاب الله تعالى، وحجة المقصد هنا هي: (رزقًا لكم)، والرزق مقصد من المقاصد الكبرى لما خلق الله سبحانه في الأرض وهو منسوب إلى السماء، (وفي السماء رزقكم وما توعدون – الذاريات ٢٢)، وهذه كلها كما ذكرنا في المستوى الأول من التأويل للآية الكريمة.

والمستوى الثاني هو النظريات العلمية المتعلقة بنزول الماء من السماء، وآخرها طُرح في العقود الأخيرة عن النيازك والتراب الفضائي والمذنبات التي ضربت الأرض بعد مرحلة نشأتها منذ ملايين السنين، وأنها هي التي أتت لكوكبنا بهذه الكميات من الماء إلى الأرض،[6] وهذه نظريات كما ذكرنا آنفًا قد لا تصح على إطلاقها، فقد تثبت الأيام -كما حدث مع نظرية الجاذبية- أنها تحتاج إلى توسيع أو تعديل من أجل مزيد من الاتساق مع مكتشفات العلوم والظواهر ذات العلاقة، وهو ما يمكن أن يدخل تحت المستوى الثالث من استشراف آفاق النظريات العلمية المستقبلية، وفيها يستشرف الباحثون في السنوات الأخيرة الأحداث التي تكونت بفعلها الأرض كما نعرفها، وأن نزول الماء من السماء قد حدث أيضًا في مرحلة نشأة الأرض واصطدامها بأجرام وكواكب أخرى، وما زال البحث جاريًا ليقترح مزيدًا من العلم بـ (وأنزل من السماء ماء) كما ذكرتها هذه الآية الكريمة.

والرزق المذكور كنتيجة لإخراج الثمرات بالماء النازل من السماء هو جزء من تأويل الآية الكريمة الأخرى: (وفي السماء رزقكم – الذاريات ٢٢)، ولكن مفهوم الرزق مفهوم واسع، وله بُعد دنيوي مادي متنوع المصادر متعلق بالأرض، وله كذلك بُعدان غيبيان -دنيوي وأخروي- متعلقان بالسماء، كما قال تعالى مثلًا: (هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا – غافر ١٣)، وقال عن الشهداء: (بل أحياء عند ربهم يرزقون – البقرة ١٦٩)، وهذا الرزق (عند ربهم) يتعلق بفهم الثمرات في هذه الآية الكريمة لأن الرزق في الدنيا سيُؤتى -إن شاء الله- بما يشبهه في البرزخ وفي الآخرة، وسيأتي بعد آيتين: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها – البقرة ٢٥).

أما (من الثمرات)، فقد ذكر بعض المفسرين أن (من) زائدة للتزيين اللفظي، وهو ما لا يليق بكلام الله ولا باللسان العربي البليغ الذي ليس فيه لفظ ”زائد“ دون مقصود من ورائه، وقيل (من) هنا للتبعيض أي: أخرج ببعض الماء بعض الثمرات، ولكن  يبدو لي أن التبعيض في (من) صحيح ولكنه متعلق بالرزق في: (رزقًا لكم)، أي أن الإشارة هنا للبعض من الثمرات التي تصلح رزقًا للإنسان وليس كل الثمرات، والمقصود أن يفقه الإنسان السنة الإلهية أنه جزء بسيط من مخلوقات الله تعالى في الكون، وأن الكون لم يخلق من أجله فقط كما يظن بعض المستكبرين من البشر، بل مقاصد خلق الكون كاملة لا يعلمها إلا الله، فليس كل ثمرة تصلح رزقًا للإنسان بل قد تكون رزقًا لغيره من المخلوقات مما يعلمه الله، سبحانه.

ومفهوم الرزق مفهوم مركب يشمل ما يتملكه الإنسان وما ينفقه، وكلاهما قد يكون منفعة أو ضررًا حسب المقصد منه، فإذا كان الملْك أو الإنفاق في حلال أو في سبيل الله فهو محمود ونافع في الدنيا والآخرة، وإذا كان الملْك أو عدم الإنفاق من باب الكنْز بخلًا أو من باب الصد عن سبيل الله فهو إثم ووبال في الدنيا والآخرة، وقد لا يكون الرزق مقصورًا على صاحبه، بل هو رزق كذلك لمن سيذهب إليه لينتفع به أو لمن سيرثه من الورثة بعد موته لينتفعوا به، وأما الكَنْز للرزق دون انتفاع به وعدم الإنفاق منه في سبيل الله فهو مذموم: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم – التوبة ٣٤)، وكم من أموال كنزها الناس إلى أن رحلوا عنها أو رحلت عنهم، وهذا جزء من نظرية الاقتصاد الإسلامي في تدوير المال بالإنفاق وعدم الكنز، ويبين هذا المعنى الحديث الشريف: (يقولُ ابنُ آدَمَ مالي مالي، وهل لك مِن مالِك إلّا ما أكَلْتَ فأفنَيْتَ أو لبِسْتَ فأبلَيْتَ أو تصدَّقْتَ فأمضَيْتَ)،[7] ويأتي مزيد من التفصيل لمفاهيم الرزق والملك والمال والكنز والإنفاق والبخل والنفع والضرر في مواضعها.

ثم ينتقل الأمر من عبادة الله تعالى: (اعبدوا ربكم) إلى إفراده بالعبادة وعدم الإشراك به: (فلا تجعلوا لله أندادًا)، والشرك يتناقض مع شكر الله تعالى على رزقه، لأن الرزق منه وحده سبحانه وليس من خلال وسائل الرزق ووسائطه الواقعية أو المتوهمة، والناس أحيانًا يجعلون لله أندادًا لأن من خلالهم يصل الرزق في واقعهم الوظيفي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، فيشكرونهم أولًا وأساسًا بدلًا من أن يشكروا الله تعالى أولًا وأساسًا، وقد يتطور الطمع في ما في أيدي الناس من مال أو جاه أو متاع إلى الذل إليهم، وقد ينحدر ذلك الذل إلى الإشراك بهم والعياذ بالله، أو كما يقول أهل التصوف في تعبير ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: ”ما بسقت أغصان ذل إﻻ على بذر طمع، ما قادك شئ مثل الوهم، أنت حر مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت له طامع“، والوهم هو أن يعبد البشر غير الله تعالى بمجرد التوهم أنهم مصادر الرزق، كالشمس والقمر والكواكب والنجوم والدول والأشخاص، ولكن المؤمن العابد لله لا يقع فريسة لهذه الأوهام ويعلم أن الرزق بيد الله وحده، فهو الذي يرزق الجميع: الحاكم والمحكوم، وصاحب الأعمال والموظف عنده، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والإنسان وغير الإنسان، وهذا العلم (وأنتم تعلمون) يقي من الشرك ويخلّص العبادة والشكر للرزاق سبحانه وتعالى.

[1] راجع تعديلات تجريها جامعة تورنتو الكندية على نظرية الصفائح التي أنتجتها نفس الجامعة في ستينيات القرن الماضي:

University of Toronto, Geophysicists uncover new evidence for an alternative style of plate tectonics, phys.org/news/2017-11-geophysicists-uncover-evidence-alternative-style.html

[2] أبو الريحان البيروني، القانون المسعودي فى الهيئة والنجوم، مخطوطة من قسم المخطوطات الشرقية بالمكتبة البريطانية:

taree5com.com/القانون-المسعودي-للبيروني/

[3] ميزان الحكمة ومنهج البحث العلمى عند الخازني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مخطوطة ودراسة منتصر مجاهد، ٢٠٠٥ م

[4] راجع مقالته حول الوحي وتاريخ كتابة الإنجيل، وفيها يقول إن ردة قد حدثت في المسيحية حين رفض الأباطرة الرومان عقيدة آريوس وأدخلوا التثليث الوثني في عقيدة التوحيد، ولكن يبقى سؤال اعتناقه للإسلام صراحة سؤالًا مفتوحًا لم أجد له إثباتًا:

Isaac Newton, Untitled Treatise on Revelation (section 1.4), Jewish National and University Library, Jerusalem, newtonproject.sussex.ac.uk/view/texts/normalized/THEM00182

وراجع هذا البحث عن أثر العلماء المسلمين على علماء الحضارة الغربية بما فيهم نيوتن ومحو ذلك الأثر عمدًا من تاريخهم:

Michael Hamilton Morgan, Lost History: The Enduring Legacy of Muslim Scientists, Thinkers and Artists, Washington D.C.: National Geographic, 2008.

[5] راجع هذا البحث الشامل حول مكتبة نيوتن، وهو يثبت اطلاعه الجيد على منجزات الحضارة الإسلامية العلمية وبناؤه عليها:

John Harrison, The Library of Isaac Newton, Cambridge: Cambridge University Press, 1978.

[6] راجع مثلًا هذا البحث في تاريخ كوكب الأرض:

Daly, R. Terik; Schultz, Peter H. (25 April 2018). “The delivery of water by impacts from planetary accretion to present”. Science Advances, 4 (4).

[7] من حديث عبدالله بن الشخير، صحيح ابن حبان ٣٣٢٧.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة