[email protected] +(00) 123-345-11

فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24)

فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24)

(فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار): تأتي هنا (ولن تفعلوا) كجملة اعتراضية خلال الجملة الشرطية (فإن لم تفعلوا)، وهي في حد ذاتها من معجزات القرآن التي تقع تحت الإعجاز التنبؤي، إذ لم يحدث منذ نزل القرآن إلى يوم الناس هذا أن يخوض التحدي بشر فيأتي بما يمكن أن يقارن بالقرآن دون سخرية الشهداء المحكَّمين،[1] فمسيلمة الكذاب الذي ادعى الوحي في كلام كثير من مثل: ”والليل الأطحم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أُسيد مِن مُحرم“،[2] كتب عنه الشيخ محمد عبد الله دراز في تفسيره لسورة البقرة -النبأ العظيم- معلقًا يقول: ”وهكذا لم يستطع وهو عربي قحّ أن يحتفظ بأسلوب نفسه، بل نزل إلى حدّ الإسفاف، وأتى العبث الذي يأتيه الصبيان في مداعبتهم وتفكّههم بقلب الأشعار والأغاني عن وجهها، ولا يخفى أنّ هذا كلّه ليس من المعارضة في شيء“.[3] وهكذا كان إسفاف العشرات الذين تجاسروا على معارضة القرآن على مدار التاريخ فلم يقنعوا أحدًا ولا أنفسهم.

يذكر التاريخ منهم -كمثال- ابن المقفع (ت. ١٤٢ هـ / ٧٥٩ م) الشاعر المعروف، الذي كتب عنه الألوسي يقول: ”كان فصيحًا بليغًا، بل قيل: إنه أفصح أهل وقته، رام أن يعارض القرآن، فنظم كلاماً، وجعله مفصلاً، وسماه سورًا، فاجتاز يومًا بصبي يقرؤها [أي: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك وسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين – هود ٤٤)]، فرجع ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارَض أبدًا، وما هو من كلام البشر“.[4]

(فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة): فيها تخويف من النار -والعياذ بالله- وإشارة إلى الأصنام التي يعبدونها من دون الله، والتي يضعها الله تعالى معهم في النار إقامة للحجة عليهم في المصير الأخير، وصلًا بالآيات: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون – الأنبياء ٩٨-٩٩).

أما (أعدت للكافرين) فتدل على أن النار حقيقة موجودة في عالم غيبي يعلمه الله تعالى، ولو لم نراها، وتدل الآيات والأحاديث الأخرى على أن الجنة موجودة كذلك ومعدّة: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدّت للذين آمنوا بالله ورسله – الحديد ٢١)، وإشعار الناس في القرآن الحكيم بوجود الجنة والنار كحقيقة واقعية -رغم تأجيل دخولهما إلى يوم القيامة- يقصد إلى تعميق الرجاء والخوف في الدنيا حين يستشعر المؤمن بذلك الوجود، وهو نفس مقصد الإخبار عن عرض الأموات عليهما في وقت البرزخ قبل القيامة: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون – آل عمران ١٦٩)، (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب – غافر ٤٦)، وفي حديث أنس: إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى لَنا يَوْمًا الصَّلاةَ، ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ، فأشارَ بيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَقالَ: (قدْ أُرِيتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلاةَ الجَنَّةَ والنّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ في قُبُلِ هذا الجِدارِ فَلَمْ أرَ كاليَومِ في الخَيْرِ والشَّرِّ)،[5] مما يقصد إلى نفس المعاني.

[1] كما نُسب إلى النضر بن الحارث وطليحة الأسدي وابن أبي السرح وسجاح وابن الراوندي والمتنبّي – قبل توبته – وما نسب لأبي العلاء المعرّي، والمستشرقَين مارتيني ريموندو وأنيس شوروش -معاصر-. راجع بحث: محسن الخالدي: معارضات القرآن الكريم: مزاعم وشبهات، جامعة النجاح بفلسطين:  ketabonline.com

[2] كما روى الطبري في تاريخه.

[3] محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، دار الثقافة بالدوحة، ١٤٠٥هـ.

[4] الألوسي في تفسير (وقيل يا أرض ابلعي ماءك – هود ٤٤).

[5] البخاري ٦٤٦٨. أما الروايات التي رووها متصلة بالموضوع نحو: (رأيْتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ، قيل: لِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: بكُفْرِهِنَّ، قيل: يَكْفُرْنَ باللهِ تعالى؟ قال: يَكْفُرْنَ العَشيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ، لوْ أحسنْتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهْرَ، ثمَّ رأَتْ منكَ شيئًا قالت: ما رأيْتُ منكَ خيرًا قَطُّ)، فتبدو لي اختلطت من قبَل بعض الرواة الأوائل ثم انتشر التحريف، وقد رد جمع من العلماء متن أن أكثر أهل النار النساء، بناء على أدلة أخرى فيها نساء في الجنة أكثر من الرجال، كحديث الزوجتين من الدنيا لكل رجل في الجنة، إلا أنهم أولوا تأويلات بعيدة حتى يتجنبوا تهمة تحريف المعنى من قبَل بعض الرواة، كتأويل ابن قتيبة وابن تيمية أن الاطلاع هو ”بالفكر والإقبال“، وطرف من رواية البخاري ٢٩: (أُرِيتُ النّارَ فَإِذا أكْثَرُ أهْلِها النِّساءُ يَكْفُرْنَ) هو حديث عن الكافرات وليس النساء عمومًا وهو أكثر منطقية، وليس عن الصحابيات كما روى مسلم وأحمد وابن ماجه: (رأيتكن أكثر أهل النار)، وتبدو لي القصة متصلة برواية النسائي وأبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمرو عن ثلاثة لا عن كل أهل النار: (ورأيتُ فيها ثلاثةً يُعذَّبونَ: امرأةٌ حِمْيَرِيَّةٌ سوداءُ طويلةٌ تُعذَّبُ في هِرَّةٍ لها أوثقَتْها، فلم تَدَعْها تأكلُ مِن خَشاشِ الأرضِ، ولم تُطْعِمْها حتّى ماتَت).

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة