كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28)
كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28)
لأسلوب السؤال أغراض متنوعة في اللسان العربي القرآني، وقد ورد مئات المرات في كتاب الله تعالى شاملًا لكل أغراض السؤال المعروفة وقاصدًا من ورائها غايات متنوعة، وأول مواضعها هو ما ورد في هذه الآية (كيف تكفرون بالله)، والمعنى المقصود أن الذي يكفر بالله تعالى هو الذي يحتاج إلى دليل وليس العكس، وأبسط الأدلة لكل إنسان هو أنه حي وأنه ميت لا محالة، فكيف يكفر من هذه حاله؟ من الذي أحياه ويميته إلا الذي خلقه سبحانه؟ وهذا دليل واضح للقلوب السليمة، وإذا اعتقد الإنسان أن الله وهب له الحياة بعد الموت الأول فسيقتنع أنه سيعيد الكَرة ثم يُرجعه إليه.
والسؤال يأتي بغرض من أغراض الاستفهام كما يذكرها أهل البلاغة، ولكن التفكر فيه يدل على أنه يقصد إلى معان أبعد عن طريق غرض الاستفهام، كسؤال الملائكة لظالمي أنفسهم بغرض الاستنكار: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها – النساء ٩٧)، والقصد من السؤال الاستنكاري هنا هو دعوة المستضعفين إلى عكس ما فعله هؤلاء ببقائهم في أرض الظلمة وانخراطهم في الظلم، وهناك سؤال بغرض الاستنكار مع قصد الحض على استشعار عكس الحالة التي عليها المسؤول: (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه – التوبة ١٣)، والسؤال لغرض التقريع في الآخرة والقصد منه الموعظة في الدنيا: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم – الانفطار ٦)، والاستفهام بغرض الدعاء إلى الله تعالى والقصد من أسلوب السؤال هو التضرع إليه والتنصل مما يغضبه: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا – الأعراف ١٥٥)، ومثله دعاء النبي ﷺ يوم الطائف: (إلى مَن تكِلُني؟ إلى عدوٍّ يتجهَمُني؟ أم إلى قريبٍ ملَّكتَه أمرِي؟ إنْ لم تكنْ غضبانَ علَيَّ فلا أبالِي غيرَ أن عافيتَك أوسعُ لي)،[1] وسؤال بغرض التعجب والقصد بيان سنة إلهية مطردة في صراع الصلاح والفساد في الأرض: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها – البقرة ٣٠)، وسؤال آخر بغرض التعجب والقصد بيان أهمية الضبط العسكري في تفقد القادة للجنود: (ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين – النمل ٢٠)، وسؤال بغرض العتاب والقصد منه الحض على ترك ما يبعد القلب عن ذكر الله والخشوع له: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق – الحديد ١٦)، وسؤال بغرض النفي والقصد منه تعليم حدود التعامل مع الناس في مجال الدعوة إلى الله تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين – يونس ٩٩)، وآخر بغرض النفي كذلك ولكن القصد هو بيان سنن إلهية، وهي هنا انقسام الناس بين مؤمن ناج وكافر هالك، وإحقاق القول على الهالكين فلا يستطيع أن ينجيهم أحد: (أفأنت تنقذ من في النار – الزمر ١٩)، وسؤال (كم) كثير في كتاب الله تعالى، وغرضه الأصلي بيان الكثرة، ولكنه يقصد إلى مقاصد متنوعة، منها قصد العبرة والعظة: (كم تركوا من جنات وعيون – الدخان ٢٥)، وقصد بيان سنة الله في نصر المؤمنين: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين – البقرة ٢٤٩)، وقصد اغتنام الوقت في الدنيا: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين – المؤمنون ١١٢)، وقصد بيان آيات الله تعالى الدالة على بديع صنعه: (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم – الشعراء ٧)، وهناك سؤال بغرض الطلب في أصله والقصد منه الترغيب والتودد والوعد بالخير: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة – البقرة ٢٤٥)، (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم – الصف ١٠)، (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم – آل عمران ٢٠)، وأسئلة أخرى بغرض التشويق -بلاغيًا- والقصد منها التحذير والوعظ: (هل أتاك حديث الغاشية – الغاشية ١)، (عم يتساءلون. عن النبأ العظيم – النبأ ١-٢)، وغير ذلك من الأغراض البلاغية والمقاصد المتنوعة من وراء تلك الأغراض، كما تأتي في مواضعها.
(وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم): وأما الموتان والحياتان في هذه الآية ومثله ما جاء عن قول الناس يوم القيامة: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين – غافر ١١)، فهناك عدد من الاحتمالات في تأوليهما أدت إلى اختلافات كثيرة في الرأي، والسبب في الاختلاف في نظري هو عدم تحديد مفهومي الحياة والموت، ووجود عدد من الأحوال المنصوص عليها التي يمكن أن تؤوَّل على أنها أحوال حياة أو موت تبعًا للمفهومين، وهناك اتفاق على حياتين: الحياة الدنيا والحياة الأخرى يوم القيامة، وهو واضح، ولكن الاختلاف هو حول الحياة أو الموت في عالمَيّ: الذر والبرزخ.
أما عالم الذر فقد قال تعالى عنه: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين – الأعراف ١٧٣)، وأما عالم البرزخ فقد قال تعالى عنه: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون. فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون – المؤمنون ٩٩-١٠١)، وقال عن النعيم في البرزخ: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون – البقرة ١٦٩)، وعن العذاب في البرزخ: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب – غافر ٤٦)، وهناك آيات أخرى متعلقة بالإحياء كقوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون – الزمر ٦٨)، وقوله: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى – طه ٥٥)، وكذلك: (أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد – ق ١٥).
والذي يترجح لي من الآراء بعد وضع كل هذه الآيات في نسق واحد -والله أعلم- أن نفس الإنسان أو النَسَمة الإنسانية موجودة منذ أن برأها الله سواء في حالة حياة أو موت، ولكن مفهوم ”الحياة“ هو وجود النفس في جسد و”الموت“ هو وجود النفس دون جسد في عالم الذر أو البرزخ ولا يعلم صورتها إلا الله تعالى، وبالتالي فهناك موتان وحياتان: الموت الأول هو ما قبل نفخ الروح في الجنين منذ أن برأ الله تعالى النفس، ويشمل عالم الذر حيث وُجد الإنسان وأُخذ عليه العهد وإن كان بدون جسد، ثم الموت الثاني هو عالم البرزخ حيث يوجد الإنسان كذلك بلا جسد، وقد يعرض عليه النعيم أو العذاب كما أُخبرنا عن الشهداء والفراعنة، وأما الحياة الأولى -أي في جسد- فهي حياتنا في هذه الدنيا التي تبدأ في بطن الأم، والحياة الثانية في جسد هي في الجسد الجديد كما يلبسنا الله إياه يوم القيامة حين يخرجنا من الأرض، ويكون الموت الأول هو ما قبل الحياة الأولى، والثاني هو برزخنا بين الحياتين، ثم بعد الإحياء الثاني للآخرة ينتهي الموت، وبهذا نجمع بين كل الآيات وما يتعلق بها من أحاديث.
أما من استدل من أصحاب الانحرافات العقدية بأن ذكر أكثر من حياة وأكثر من موت في القرآن يدل على ما يسمى بتناسخ الأرواح، أي أن يتكرر خروج روح الإنسان ثم دخولها في جسد آخر عشرات أو مئات المرات حتى يرتقي الإنسان روحيًا في دورات إلى أن يحدث الصفاء الروحي فيتحول الإنسان إلى السعادة الأبدية التي يسمونها ”نيرفانا“ أو ما يقارب هذا المصطلح في اللغات الآسيوية، فهو اعتقاد كثيرين -وليس كل- أتباع الديانات البوذية والهندوسية واليانية والسيخية والحركات المعاصرة التي تسمى ”الروحانية“ أو ”العصر الجديد“، وهو اعتقاد باطل في عقيدة الإسلام يتنافى مع أصل الإيمان بالله وخلقه للناس وبعثه لهم في اليوم الآخر، ولا تحتمل نصوص الإسلام هذا التأويل بحال.
وقد نسب البعض خطأً القول بالتناسخ لبعض أئمة الشيعة كالإمام جعفر الصادق، وبعض الأشاعرة كالإمام الرازي، وبعض المعتزلة، وغيرهم، والتحقيق يدلنا على أن هؤلاء جميعًا قد قالوا بعكس التناسخ وكفّروا القائلين به قولًا واحدًا، كما رُوي عن الإمام الصادق قوله: ”إن أصحاب التناسخ قد خلّفوا وراءهم منهاج الدين وزينوا لأنفسهم الضلالات .. فاستقبح مقالتهم كل الفرق، ولعنهم كل الأمم“، وكتب الإمام الرازي يقول: ”التناسخية يقولون بقدمها [أي الأرواح] وردّها في هذا العالم، وينكرون الآخرة والجنة والنار وإنما كفروا من هذا الإنكار“.[2]
والحق أنه ليس هناك عالم مسلم قديمًا ولا حديثًا قال بالتناسخ، بل هي أقوال مكذوبة وضعها الصابئة والبراهمة والقرامطة والزنادقة -كما روى مؤرخو الإسلام-،[3] ومن على طريقتهم من الزنادقة والضُّلّال المعاصرين وبعض المرتدين عن ملة التوحيد ممن كانوا مسلمين في عصرنا. ولكن الإيمان بالآخرة ركن ركين في التصور الإسلامي متعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبسننه الإلهية في العدل والجزاء، والتي تقتضي أن تُبعث كل نفس فردًا فردًا، فتُحاسب بالعدل على ما فعلت وتجازى بنعيم الجنة أو عذاب النار حسب عملها: (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون – البقرة ٢٨١)، وهذه الآية: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) هي في نفس هذا المعنى، ولا يحتمل تأويلها -بعد وصلها منطقيًا ببقية القرآن- إلا هذا.
[1] من سيرة ابن إسحاق، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/٣٨ وذكر تدليس ابن إسحاق وقال: ”مدلس ثقة“، وهذا وصف ينطبق على كثير من أعلام الرواية في كتب الصحاح، بل تدليس الزهري مثلًا أشد من تدليس ابن إسحاق، وإنما ضعّف البعض ابن إسحاق سياسيًا ولا يصح هذا التضعيف بعد توثيق الكثيرين له، خاصة مع طبقته المبكرة، وللموضوع مقام آخر لبسطه.
[2] راجع: حسين مكي العاملي، الإسلام والتناسخ، بيروت: دار الزهراء، ١٣٩٧ هـ، وفيه بحث مفصل ومصادر الأقوال المذكورة.
[3] راجع أقوالهم والتفاصيل في: ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، القاهرة: المطبعة الأدبية، ١٣١٧ ه، ٩٤-٩٠ /١.
Lorem Ipsum