[email protected] +(00) 123-345-11

هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29)

هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29)

لا تعني الآيات نحو (خلق لكم ما في الأرض جميعا) أن الإنسان هو محور الكون ولا هدف وجوده وكأن الكون كله مخلوق من أجله وكأن (لكم) معناها: من أجلكم فحسب وحصريًا، ذلك لأن التصور الإسلامي لا يتأسس على مفهوم ”مركزية الإنسان“ (هوموسنتريكا أو أنثروبوسنتريكس باللاتينية)، تلك الأدلوجة العلمانية التي لا ترى في الكون واعيًا ولا مريدًا ولا عالمًا ولا متحضرًا إلا الإنسان، وتتصور أن الإنسان في ”صراع“ دائم مع الطبيعة ليتسيّد عليها كما يتوهمون، ولا تنظر إلى الخَلق إلا مستحضرةً لمصلحة الإنسان المادية في نظرتها للحيوان والنبات والحشرات والبحار والأنهار والجبال وحتى النجوم والمجرات البعيدة، مما له انعكاسات كبيرة على أهداف العلوم كلها وعلى منهج تعامل الإنسان مع خلق الله في الكون، وقد يتصور بعض المسلمين من المأسورين بالتصور الحداثي للكون أن هذه الآية تؤيد مركزية الإنسان في الكون بهذا المعنى، إلا أن القرآن بمجموع أدلته ينفي فكرة مركزية الإنسان بوضوح.

شبكات المقاصد القرآنية تدل على أن المقصد المركزي الذي ينبغي أن تدور حوله كل مقاصد الإنسان هو عبادة الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون – الذاريات ٥٦)، وهو مقصد متحقق في مخلوقات الكون كلها، حيث يعبد الله كلُ شيء على فطرته التي فطره الله تعالى عليها: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون – النور ٤١)، (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا – الإسراء ٤٤)، وإذا أردنا إذن أن نعرّف ”مركز الوجود“ -من باب محاكاة التعبير الفلسفي فحسب- فهو الله سبحانه وتعالى، والإنسان هو مجرد كائن من الكائنات المخلوقة الكثيرة في السماوات والأرض: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون – غافر ٥٧)، وقد جعل الله الإنسان في الأرض خليفة في التاريخ القريب بعد قرون أولى كثيرة كانت فيها مخلوقات أخرى، كما قال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم – الحجر ٢٦-٢٧)، وقال: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة – العنكبوت ٢٠)، فلما سرنا في الأرض ونظرنا كيف بدأ الخلق وجدنا أن الله تعالى خلق خلقًا كثيرًا قبلنا على مدار ملايين السنين، بعضه قد يشبه حيوانات وطيور وأسماك نعرفها في صورتها الحالية، وبعضه قد يشبه الإنسان ولكنهم ليسوا من نسل آدم وحواء بل من القرون التي مضت من الحضارات الأولى البائدة قبل نزول آدم وحواء عليهما السلام للأرض.

صحيح أن الإنسان مكرم ومفضّل، وسجد له الملائكة كما تذكر الآيات التالية، ولكنه ليس مفضلًا على كل الخلق بإطلاق: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا – الإسراء ٧٠)، وحرف اللام في الجَعْل أو الذَرْء أو الخَلْق من (لكم) كما في هذه الآية هو بمعنى التسخير، أي سخر ما في الأرض -وما في السماء كذلك- حيثما التمستم منافعها، خلقها متاحة في صور مناسبة لتحقق منافعكم، بل وتحقق منافع خلق آخرين كذلك، في الماضي والحاضر، والتسخير مفهوم مركزي ويتعلق به مقاصد كثيرة تأتي في مواضعها.

ونفهم الفعل (استوى) في حق الله تعالى -كما فهمنا (لا يستحيي) في الآية التي مرت- دون انحياز لأصحاب التأويل ولا غرمائهم من أصحاب الإثبات، ما دام التأويل لا يغالي فينفي صفة أثبتها الله لنفسه في كتابه وهو ما لا يقول به مسلم، وما دام الإثبات لا يغالي فيجسّم تلك الصفة ويجعل صفات الله كصفات البشر تعالى الله عن ذلك ولا يقول به مسلم. ومفهوم الاستواء تحديدًا حدث حوله جدل تاريخي طويل عريض، وتكفير متبادل بين أصحاب النزعات المختلفة، وتسييس للمسألة وامتحان الناس بسلطة الدولة على فهمهم واتباعهم لمن يؤثّر فيهم من العلماء، وهذا فصل مؤسف من تاريخ المسلمين لا ينبغي استرجاعه، بل ينبغي أن يتسع صدر طلبة العلم وتتسامح الثقافة العامة مع تلك النزعات والاختلافات الكلامية كلها دون غضاضة، ما دمنا في حدود الثوابت العقدية -الإيمانية- المعروفة.

ويمكن أن تُفهم الأرض والسماء على أنها ”الجهة السفلى والجهة العليا“ كما ذكر بعض أهل التفسير، ويمكن أن تُفهم على أن الأرض هي كوكب الأرض كما نعرفه اليوم، وأن السماء هي ما فوقنا من سماوات إلى ما شاء الله، وهو -كما ذكرنا سابقًا- مستوى للفهم قد يتطور مع تطور علومنا دون تناقض نظرًا لعمومية ألفاظ القرآن العربية مثل: الأرض والسماء. ولكنّ بعض المعاصرين من غير المسلمين يستغرب حقيقة خلق كوكب الأرض أولًا كما تنص عليها هذه الآية وآيات أخرى من كتاب الله كآيات الخلق في أوائل سورة فصلت ٩-١٢، إذ يتنافى ذلك في عقولهم مع ”صورة الكون“ كما هي في الصور الحاسوبية التي تنشرها وكالات الفضاء في الدول المعاصرة، والتي تظهر الأرض فيها كهباءة في زاوية من زوايا صورة مجرتنا النجمية التي يعتبرونها ”هامشية“ وليست في وسط الصورة التي تمثل الكون المعروف لنا اليوم، فيظنون أن فكرة ”مركزية الأرض“ في الخلق فكرة قديمة مرتبطة بصورة للكون كانت النجوم فيها تدور حول الأرض وليس التصور الحالي. وتعليقنا هنا بناء على قوله تعالى بعد خلق الأرض: (ثم استوى إلى السماء – البقرة ٢٩،  فصلت ١١)، هو أن الأرض خلقت فعلًا قبل السماء، وأن دوران الأرض حول الشمس ودوران الشمس حول مركز المجرة ودوران المجرات الأصغر حول المجرات الأكبر لا يلزم منه ترتيب في الخلق ولا الفضل ولا الرزق، وأن حساب أبعاد الكون بناء على عدسات المراصد الفضائية لا يلزم منه استنتاج مركزية كوكب أو نجم أو مجرة بعينها في الكون الأكبر، وتفاصيل خلق الكون منذ اللحظة الأولى التي اصطلح على تسميتها بنظرية الانفجار الكبير من أمور الغيب وستظل من أمور الغيب، ولذلك ختمت هذه الآية بقوله سبحانه: (وهو بكل شيء عليم).

وقول الله تعالى: (ثم استوى إلى السماء) -أي بعد خلق الأرض في أربعة أيام كما تنص الآيات الأخرى- ينقض متن الرواية التي رواها مسلم في صحيحه (٢٧٨٩)، وأخرجها ابن حبان في صحيحه، والنسائي في السنن الكبرى، وابن العربي في أحكام القرآن وقال: ”ثابت“، ومن أهل الحديث في عصرنا الألباني في السلسلة الصحيحة وقال: ”رجاله ثقات“، وغيرهم، وفيها زعموا أنه سبحانه خلق الأرض وما عليها في سبعة أيام، رغم الآيات المحكمات التي تنص على خلق السماوات والأرض كلها في ستة أيام، وعلى خلق الأرض في أربعة أيام منهم، وزعموا أن خلق الجبال كان في اليوم الثاني رغم أن قوله تعالى: (وجعل فيها رواسي من فوقها – فصلت ١٠) ينص على أن ذلك قد حدث في اليومين التاليين أي الثالث والرابع، فضلًا عن تناقضات أخرى في الروايات لنفس الحديث في أيام خلق النور والشجر و”الشر“، إلى آخر ما رووا، مما يشتم منه من له أدنى معرفة بالتوراة رائحة الإسرائيليات لا تخفى، ورواية مسلم عن أبي هريرة فيها: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيَدِي فَقالَ: (خَلَقَ الله عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبةَ يَومَ السبتِ، وَخَلَقَ فِيها الجِبالَ يَومَ الأحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَومَ الاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَومَ الثُّلاثاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَومَ الأرْبِعاءِ، وَبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَومَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عليه السَّلامُ بَعْدَ العَصْرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ، في آخِرِ الخَلْقِ، في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمُعَةِ، فِيما بيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْل).

وقد ردّ البخاري هذا الحديث وقال: ”معلول، والصحيح أنه من قول كعب“،[1] كما رده عدد من المحققين، ومسلم راوي الحديث نفسه يروي عن بسر بن سعيد التابعي قوله: ”اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ﷺ، ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله“،[2] ويظهر أن هذه الرواية من تلك الأحاديث التي اختلط فيها كلام النبي ﷺ بكلام كعب الحبر الذي كان يروي أبو هريرة عنه أيضًا، ولو أن العجيب أن أحد الرواة أضاف جملة ”أَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بيَدِي“، ولا ندري هل كانت الرواية الأصلية أن كعب الأحبار أخذ بيد أبي هريرة أم أن هذه الإضافة كلها من وضع أحد الرواة لأن كعبًا لم ير النبي ﷺ بل أسلم بعد وفاته؟ وهذه الرواية عندي من أوضح الإثباتات على احتمال الوهم -أو الوضع، والله أعلم- في بعض روايات ”الثقات“ التي قد تصح سندًا ولكن يتناقض متنها مع ما لا يحتمل الشك وهو نص القرآن في هذه الحالة، والرواية أيضًا عندي من أوضح الأدلة على تسلل الإسرائيليات إلى بعض الروايات التي اعتُبرت صحيحة نظرًا لعدم ”العرض على القرآن“ كما اشترطنا في المقدمات المنهجية، وقصة الخلق في سبعة أيام وليس ستة كما ينص القرآن أصلها القصة الموسومة بـ”أسبوع الخلق“ في سِفر التكوين من أسفار أهل الكتاب، ولا ينقص الرواية المزعومة منها  إلا ”استراحة يوم السبت“ تعالى الله عن ذلك، وهذه المناقشة خضنا فيها هنا ليس من أجل اختلاف عدد الأيام بين ستة وسبعة، بل لتثبيت القاعدة المنهجية أن القرآن يهيمن على روايات أهل الكتاب وعلى روايات الحديث، ولهذه القاعدة أثر على عدد من قضايا العقائد والشرائع، كما يأتي في مواضعه.

وهذه الرواية -بالمناسبة- يطلق عليها بعض الصوفية في عصرنا ”حديث التشبيك“، ويستخدمونها لإثارة مشاعر البسطاء حين يشبكون أصابعهم مع أصابع مشايخهم وهم يروون الحديث، زاعمين أن الرسول ﷺ شبّك يديه بيدي أبي هريرة وهو يخبره بهذا، بناء على روايات أخرى موضوعة فيها هذا التشبيك المزعوم، والتصوف الحقيقي تزكية للنفوس وهو بريئ من ذلك، والرواية من الإسرائيليات وتناقض كلام الله عن الخلق كما بينّا، وهو تعالى أعلم بما خلق، ولذلك ختم الآية بقوله: (وهو بكل شيء عليم).

[1] نقله ابن القيم في بدائع الفوائد، ط. مجمع الفقه الإسلامي ١/٨٥، وقال في التاريخ الكبير ١/٤١٣: قال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح.

[2] مسلم بن الحجاج، التمييز، ١٠، بإسناده الصحيح عن بسر بن سعيد.

Lorem Ipsum

Leave Your Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حقوق الطبع والنشر 2025, كل الحقوق محفوظة